أرقام وقوانين وشهادات تكشف الكارثة
في السنوات الأخيرة، تحول ملف علاج الإدمان في مصر إلى ساحة مفتوحة ما بين جهود الدولة الرسمية وانتشار مراكز وهمية تعمل بعيدًا عن أي رقابة أو ترخيص. وبينما يبحث آلاف المرضى عن فرصة نجاة، يجد كثير منهم أنفسهم ضحايا “علاج” يتحول إلى شكل جديد من الانتهاك.
الأرقام تكشف حجم الظاهرة
بحسب صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، تم تقديم خدمات علاجية مجانية لنحو 164 ألف مريض في عام 2024 عبر 33 مركزًا مرخصًا فقط موزعين على 19 محافظة. في المقابل، تشير تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية إلى وجود مئات المصحات غير المرخصة تعمل في الخفاء، وتستقبل أكثر من نصف المرضى الباحثين عن علاج على الأقل مرة واحدة خلال رحلتهم.
حالات الانتهاك الناتجة عن تلك المراكز أصبحت أزمة موازية. منظمات حقوقية وثّقت عشرات حالات الوفاة وسوء المعاملة خلال السنوات الخمس الأخيرة، إلى جانب شهادات ناجين وصفوا ما تعرضوا له بأنه “سلخانات تعذيب” أكثر منه علاجًا.
القانون بين النص والواقع
القانون المصري يشترط أن يكون علاج الإدمان داخل مراكز مرخصة تخضع لإشراف وزارة الصحة وصندوق مكافحة الإدمان. في مارس 2023، تقدم البرلمان بمشروع قانون جديد ينظم عمل المصحات غير الحكومية، ويضع عقوبات تصل إلى السجن سنة وغرامة 100 ألف جنيه على كل من يدير مركز علاج بدون ترخيص أو بعد صدور قرار غلق ضده.
لكن رغم أهمية المشروع، ما زال التنفيذ الفعلي ضعيفًا. الثغرات القانونية والرقابية سمحت لعشرات الفلل والشقق السكنية بالتحول إلى مصحات غير شرعية، تعمل خارج أي إشراف طبي حقيقي.
شهادات من الداخل
إسلام غنيم (29 سنة): “دخلت المكان وكنت فاكر هتعالج.. بعد 5 أيام خرجت بجسمي كله محروق من الكي بالسجائر وضرب غير طبيعي. لحد النهارده مش قادر أنام ولا أنسى اللي حصل”. المصدر: (تحقيق مؤسسة أريج، سبتمبر 2024).
شهادة ناجٍ آخر: “كنا 12 واحد في أوضة مقفولة. محدش دكتور ولا في حد بيتابع. كانوا بيربطونا بالسلاسل عشان منهربش. بعد ما خرجت حالتي النفسية انهارت”.
المصدر: (المصري اليوم – تحقيق عن مراكز غير مرخصة 2023).
أم فقدت ابنها داخل مصحة وهمية: “دخلناه المكان ده عشان نلحقه… بعد أسبوع استلمناه جثة. قالوا أزمة قلبية، لكن جيرانه في العنبر قالوا إنه مات متكتف ومتساب ينزف”.
المصدر: (توثيق منظمات حقوقية، 2022).
كارثة إنسانية تحت غطاء العلاج
الأرقام الرسمية تكشف عن حجم الجهد المبذول لعلاج الإدمان، لكن انتشار المصحات الوهمية يكشف عن ثغرة قانونية ورقابية ضخمة. غياب الرقابة الفعلية وعدم تطبيق القوانين الصارمة يجعل رحلة علاج الإدمان في مصر، في كثير من الحالات، تتحول من محاولة للنجاة إلى تجربة تترك جروحًا أعمق من المخدرات نفسها.






















