من يملأ الفراغ؟
هناك خطأ سياسي يتكرر في التاريخ أكثر مما نتخيل، خطأ يبدو منطقيًا في لحظته، وقد يحقق نجاحًا مؤقتًا، لكنه يترك وراءه نتائج تمتد لعقود، هذا الخطأ هو الاعتقاد بأن الاستقرار يمكن تحقيقه عبر إفراغ المجال العام من الأصوات المزعجة أو المعارضة أو المختلفة.
في كل مرة تقريبًا يتكرر المشهد نفسه، سلطة ما تنظر إلى الساحة السياسية فتجد فيها أصواتًا ناقدة، أحزابًا مزعجة، مثقفين يثيرون الأسئلة، صحفيين يفتحون ملفات لا ترغب السلطة في فتحها، وكتابًا وفنانين يطرحون روايات مختلفة عن الرواية الرسمية، عندها يبدو الحل سهلًا: إسكات هذه الأصوات، تحجيمها، إبعادها عن المشهد، أو جعل تكلفة المشاركة في الحياة العامة مرتفعة إلى الحد الذي يدفع الناس إلى الانسحاب طواعية.
المشكلة أن هذا الحل، رغم ما قد يحققه من هدوء مؤقت، يشبه إلى حد كبير إزالة جهاز الإنذار من المنزل لأن صوته مزعج.
الهدوء لا يعني أن الخطر اختفى
بل إن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: عندما يُفرَّغ المجال العام من القوى المدنية والسياسية والفكرية الطبيعية، لا يبقى فارغًا، هناك دائمًا من سيملؤه، والسؤال ليس هل سيُملأ أم لا، بل من الذي سيملؤه.
في التجربة المصرية، يستحق هذا السؤال أن يُطرح بجدية وهدوء، بعيدًا عن المزايدات والشعارات والانفعالات، خلال الستينيات تعرضت قطاعات واسعة من التيارات الشيوعية واليسارية والتقدمية لأشكال مختلفة من التضييق والإقصاء، يمكن للناس أن يختلفوا حول تقييم تلك المرحلة، ويمكن أن تختلف قراءة دوافعها وظروفها، لكن من الصعب إنكار أن المجال السياسي المصري خرج منها أقل تنوعًا وأكثر فقرًا من الناحية الفكرية والتنظيمية.
كان التصور السائد آنذاك أن التخلص من الخصوم السياسيين أو تحجيمهم سوف يؤدي إلى مزيد من التماسك والاستقرار. لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
منذ النصف الثاني من السبعينيات بدأت مصر تدخل في مواجهة طويلة ومعقدة مع تيارات الإسلام السياسي المتشددة، ثم جاءت الثمانينيات والتسعينيات لتشهد موجات من العنف والإرهاب دفعت الدولة والمجتمع أثمانًا باهظة بسببها، واستمرت المعركة بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.
ليس الهدف هنا تبسيط التاريخ أو اختزاله في علاقة سببية مباشرة. فصعود التيارات الدينية المتشددة كان نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية كثيرة، لكن يبقى سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: ماذا كان سيحدث لو بقي المجال العام مفتوحًا أمام تيارات مدنية ويسارية وليبرالية وقومية تمتلك القدرة على التنظيم والحضور والتأثير؟
هل كان المشهد سيبدو بالشكل نفسه؟
لا أحد يعرف الإجابة بشكل قاطع، لكن المؤكد أن المجتمعات التي تمتلك حياة سياسية متنوعة تكون أكثر قدرة على إنتاج البدائل ومواجهة التطرف من المجتمعات التي يتحول فيها المجال العام إلى مساحة فقيرة ومحدودة الخيارات.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا تسمع إلا صوتها، الدولة القوية هي التي تستطيع أن تسمع أصواتًا متعددة دون أن تشعر بالتهديد من وجودها، والسياسة ليست رفاهية تمارسها النخب في المقاهي والندوات، السياسة هي الآلية التي تسمح للمجتمع بالتعبير عن تناقضاته بصورة سلمية ومنظمة، وعندما تضيق هذه الآلية، لا تختفي التناقضات، بل تبحث عن طرق أخرى للتعبير عن نفسها.
لهذا تبدو بعض المشاهد الحالية مقلقة، ليس فقط بسبب الأشخاص المعنيين بها، بل بسبب الدلالات التي تحملها.
عندما يُعاد سجن أحمد دومة بعد أكثر من إثني عشر عامًا قضاها خلف القضبان، بسبب مقال رأي، فإن القضية تتجاوز شخص دومة نفسه، فالرجل يمكن أن تتفق معه أو تختلف، أن تؤيده أو تعارضه، لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل ينبغي أن يكون التعبير عن الرأي سببًا كافيًا لإعادة إنسان إلى السجن؟
السؤال هنا لا يتعلق بالمحتوى السياسي للرأي، بل بالمبدأ نفسه، لأن المجتمعات التي تعاقب الآراء لا تنتج مواطنين أكثر اقتناعًا، بل تنتج مواطنين أكثر صمتًا،،والصمت ليس موافقة، الصمت غالبًا مجرد خوف
وعندما يجد علاء عبد الفتاح نفسه في وضع يبدو فيه البقاء داخل الوطن أقرب إلى مقامرة مفتوحة بالمستقبل الشخصي والعائلي، فإننا نكون أمام أزمة أكبر من قصة فرد واحد، فالوطن الذي يخاف أبناؤه من العيش فيه أو العودة إليه يفقد شيئًا من معناه الأساسي
الوطن ليس فقط الأرض الوطن هو الشعور بأن لك مكانًا فيها مهما اختلفت آراؤك، وأن القانون يحمي حقك في الوجود والمشاركة قبل أن يعاقبك إذا أخطأت، ثم نصل إلى حالة مثل زياد العليمي.
سياسي مدني مارس السياسة في إطارها السلمي المعروف، قد يختلف الناس مع أفكاره أو برامجه أو تحليلاته، لكن مجرد وصفه بأنه “مارق” لأنه يتحدث في السياسة يفتح بابًا لسؤال شديد الخطورة: إذا كان السياسي السلمي مارقًا، فمن هو السياسي المقبول؟، إذا كانت الممارسة السياسية المنظمة محل شبهة، فكيف يمكن بناء حياة سياسية أصلًا
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة، المشكلة ليست في دومة، وليست في علاء، وليست في زياد، المشكلة أن هذه الحالات تعكس تصورًا أوسع يعتبر المجال العام مساحة يجب السيطرة عليها بالكامل، لا مساحة يجب إدارتها والتعايش مع تنوعها.
لكن لا توجد دولة حديثة نجحت على المدى الطويل بهذا المنطق، كل الدول التي حققت استقرارًا حقيقيًا أدركت أن السياسة ليست مرضًا يجب علاجه، بل وظيفة اجتماعية ضرورية،،وأن المعارضة ليست بالضرورة عدوًا، وأن النقد ليس مؤامرة، وأن الاختلاف ليس جريمة، وليس هذا السؤال مصريًا فقط، بل هو سؤال طرحته تجارب كثيرة حول العالم.
في إسبانيا، بعد وفاة فرانكو، كان من الممكن أن تستمر الدولة في إدارة المجتمع بالمنطق نفسه الذي حكم العقود السابقة: السيطرة على المجال العام وتقليص مساحة السياسة، لكن النخبة الإسبانية اختارت طريقًا مختلفًا، لم يكن الطريق خاليًا من المخاطر، ولم تكن كل القوى السياسية متفقة على كل شيء، لكن الفكرة الأساسية كانت واضحة: الاستقرار المستدام يحتاج إلى سياسة، لا إلى غياب السياسة.
وفي دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، اكتشفت الحكومات الجديدة أن بناء الشرعية لا يتحقق فقط عبر السيطرة على المؤسسات، بل أيضًا عبر السماح بتعدد الأصوات وتداول الأفكار ووجود معارضة قانونية تستطيع التعبير عن نفسها داخل المجال العام لا خارجه.
أما في أمريكا اللاتينية، فقد قدمت تجارب عديدة درسًا بالغ الأهمية، فخلال عقود من الحكم العسكري في دول مثل الأرجنتين وتشيلي والبرازيل، بدا أحيانًا أن المجال العام قد خضع بالكامل لسلطة الدولة، لكن ما إن بدأت عمليات الانتقال الديمقراطي حتى ظهر حجم الخسائر التي خلفها غياب السياسة الطبيعية: أحزاب ضعيفة، مؤسسات مدنية منهكة، وثقة متآكلة بين المجتمع والدولة.
كانت النتيجة التي توصلت إليها أغلب هذه التجارب متشابهة رغم اختلاف الظروف، فالدولة لا تصبح أقوى عندما تختفي السياسة، بل عندما تصبح السياسة ممكنة وآمنة وسلمية
والسبب بسيط، عندما تُغلق الأبواب القانونية أمام التعبير والتنظيم والمشاركة، لا تختفي الحاجة الإنسانية إلى التعبير والتنظيم والمشاركة، هي فقط تبحث عن طرق أخرى قد تكون أقل عقلانية وأقل قابلية للضبط وأكثر تكلفة على المجتمع والدولة معًا.
لهذا فإن وجود معارضة سلمية ليس عبئًا على الدولة، بل أحد عناصر توازنها، ووجود صحافة حرة ليس خطرًا عليها، بل وسيلة مبكرة لاكتشاف الأخطاء، ووجود مثقفين وفنانين وكتاب يختلفون مع السلطة ليس علامة ضعف، بل علامة على أن المجتمع ما زال قادرًا على التفكير وإنتاج البدائل.
التاريخ لا يقدم ضمانات مطلقة، لكنه يقدم أنماطًا متكررة، ومن أكثر هذه الأنماط وضوحًا أن المجتمعات التي تسمح بتداول الأفكار تكون أقدر على مواجهة الأزمات من المجتمعات التي تحاول إدارة الأزمات عبر إسكات الأفكار.
والأكثر إثارة للتساؤل هو أن السجون في مراحل مختلفة ضمت صحفيين وكتابًا وروائيين ورسامي كاريكاتير وباحثين ومخرجين ومبدعين من اتجاهات متباينة للغاية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا، إذا كان هؤلاء داخل السجن، فمن المفترض أن يكون خارجه؟ من الذي يحتاجه المجتمع في المجال العام إذا لم يكن الكاتب والمفكر والباحث والفنان والصحفي والسياسي السلمي؟
ما هي الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة عندما ترى أن تكلفة التفكير قد تصبح أعلى من تكلفة الصمت؟
وما هي النتيجة الطبيعية لذلك؟ النتيجة هي الانسحاب الناس لا تتوقف عن التفكير، لكنها تتوقف عن الكلام لا تتوقف عن امتلاك الآراء، لكنها تتوقف عن إعلانها، لا تتوقف عن الاهتمام بالشأن العام، لكنها تتوقف عن المشاركة فيه.
وعند هذه النقطة تحديدًا يبدأ المجتمع في فقدان إحدى أهم آليات تصحيح أخطائه لأن النقد ليس خطرًا على الدولة، أحيانًا يكون غيابه هو الخطر الحقيقي، الدول لا تسقط فقط بسبب أعدائها، أحيانًا تتعرض لأزمات خطيرة لأنها توقفت عن سماع التحذيرات القادمة من داخلها.
والمفارقة أن الأنظمة السياسية، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى المعارضين والعقول المستقلة أكثر مما تتصور، فالمعارض الجيد يكشف الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة، والصحفي الجيد يلفت الانتباه إلى المشكلات قبل انفجارها، والمثقف الجاد يطرح الأسئلة التي يتجنبها الجميع
أما حين يختفي هؤلاء، فلا تختفي المشكلات معهم. بل تختفي فقط القدرة على رؤيتها مبكرًا، إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس كثرة الأصوات، بل ندرتها، وليس كثرة السياسة، بل غيابها وليس كثرة النقد، بل اختفاؤه، لأن الفراغ السياسي والفكري يشبه الأرض المهجورة قد تبدو هادئة لبعض الوقت، لكنها لا تبقى خالية إلى الأبد.
دائمًا هناك من سيأتي ليشغل المساحة، والتاريخ يعلمنا أن من يملأ الفراغ ليس بالضرورة الأفضل أو الأكثر اعتدالًا أو الأكثر عقلانية، لهذا فإن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من الماضي بسيط للغاية، لا تخشوا السياسة السلمية، لا تخشوا الكتابة، لا تخشوا الاختلاف، ولا تحولوا أصحاب الكلمة إلى خصوم للدولة لمجرد أنهم يملكون كلمة.
فالدولة التي تتسع للنقد تصبح أقوى، لا أضعف. والدولة التي تسمح بالتنوع تصبح أكثر استقرارًا، لا أقل، أما الدولة التي تضيق بكل صوت مختلف، فقد تنجح في إسكات الأصوات لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إلغاء الأسئلة.
والأسئلة المؤجلة لا تموت، هي فقط تنتظر اللحظة التي تعود فيها للظهور بصورة أكثر صعوبة وأكثر تكلفة، لهذا يبقى السؤال مطروحًا أمامنا جميعًا: إذا كان مكان الكاتب السجن، ومكان الصحفي السجن، ومكان الفنان السجن، ومكان السياسي السلمي السجن، فمن الذي نريده في المجال العام؟ ومن الذي سيملأ الفراغ عندما يختفي أصحاب الأفكار؟
هذا السؤال ليس عن أفراد بعينهم، إنه سؤال عن مستقبل المجال العام نفسه، وسؤال عن قدرة المجتمع على التعلم من تاريخه قبل أن يكرر أخطاءه مرة أخرى.






















