السادس من أكتوبر لم يكن نصرًا للجيش وحده.. بل نصر لأمة بأكملها.. فقد كان الجندي المصري صلدًا كالصخر.. سطر التاريخ جرحه وكان منه العز والكرامة.. أشرقت النفوس شمس البطولة وكتب بالدم الطاهر التاريخ وخط رمال سيناء بأيات من النور على ألواح الوعود الصادقة.. امتزجت التكبيرات بصدى المدافع بدماء الشرفاء لا بدموع الضعفاء ليبدد غيوم الإنكسار ويبعث في صدر الأمة روحًا جديدة تشهد على أن العروبة لا تموت وإن الكرامة لا تشترى.
كان الجندي المصري هادئاً وعميق الإيمان بالله، لا يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، ولا التراجع مكاناً في قاموسه.. ارتدى بزته لا زينةً، بل عهدًا بالوفاء للوطن، فصارت كل طلقة تخرج من بندقيته تعزف سيمفونية الحرية.. وكان الشعب سلاحاً لا يقل مضاءً.. أيادي النساء تصنع الدواء، وقلوب الأمهات تصنع الدعاء، وسواعد العمال تبني وتشد من أزر البلاد… حتى غدت مصر بأسرها جبهةً واحدة يرفرف فوقها لواء الإيمان بالنصر، وإرادة لا تعرف الإنكسار.
لم يكن نصر أكتوبر صدفة في مسار الزمان، بل ثمرةَ تخطيط حكيم لا تلين.. فقد أعادت مصر صياغة مجدها العسكري وبرهنت للعالم أن المصري قادر على المناورة كما هو قادر على المواجهة.. صار النصر لوحةً تروى للأجيال.. ومن قلب الرمال ووهج الشمس خرجت مصر أكثر صلابةً وأبهى عزة تحمل في يمينها السلاح وفي يسارها السلام.
صفحات النصر سطور كتبتها أسماء من ذهب.. وأرواح سمت فوق دخان المعارك كأنها نجوم تهدي السفن في بحر الخلود.. مثل اللواء “زكي باقي” الذي فجّر بجرأته صمت العدو ففتح باب العبور بأشلاء الخوف وأغلقه خلفه بالإيمان.. و”أحمد إدريس” صاحب فكرة الشفرة النوبية الذي جعل من لغته درعًا يحمي الأوطان حتى تحولت الكلمات على يديه إلى سيوف ورصاص في صدور الأعداء.. وصياد الدبابات “عبد العاطي” الذي كان يصطاد الحديد بالعزيمة والإصرار.. و”إبراهيم الرفاعي” كان يقتحم الموت كأنه طريق الحياة.. والمزيد من الأبطال الذين صدقوا الله وما وهنت قلوبهم.. فقد تركوا للأجيال عهداً مؤكدين أن البطولة لا تموت ما دام في مصر قلب ينبض بالكرامة.
سطرت النسور المصرية حروف الفخر والإنتصار فكانت “القوات الجوية” سيفًا يمزق غطرسة العدو حتى نزلت صواريخهم كالمطر الهادر، وعلى الأرض ارتفع جدار من لهب وإيمان قوات “الدفاع الجوي” حيث أقامت درعًا من حديد يصد كيد المعتدين، وأما “القوات البحرية” فكانت أسود الموج، تحكم الحصار وتغلق المنافذ وتؤكد أن النصر لا يُولد من جناحٍ واحد بل من أمة كاملة بشعبها وجيشها، ولولا تلك الحرب وهؤلاء الشجعان وتضحية الشهداء ما كان لمصر أن تشعر بالخير والرخاء وتبني وتعيد وتحقق الأحلام وتطور موانيها وتبني الترسانات العسكرية وتولد حضارة إنسانية جديدة تهدف لخير البرية وتعمل للسلام لا للحروب والتدمير.
مصر باقية ما بقي الإخلاص في قلوب أبنائها، لقد وحدت “حرب أكتوبر” الشعب صفًّا واحدًا لا تفرقه العواصف.. واليوم وإن تبدلت ميادين القتال فإن الحرب لم تنتهي، بل تغيرت وجوهها وصارت الفكرة المسمومة هي السلاح الجديد لتفرق الصفوف.. وعلينا الإتحاد وأن نصطف كما اصطف الأجداد على جبهات النصر.. فالوطن لا يحمى بالشعارات، بل يُصان بالعقول التي تفكّر والأيدي التي تُعمر.
هذا العام يجدد الدرس والعهد الذي كان نقطة تحول في تاريخ العسكرية والأثر الإستراتيجي لحرب أكتوبر وتحرير الأرض بكل معاني التحرير حيث تأكيد دور مصر لمكانتها وهيبتها الوطنية ودورها البناء.. وعلينا أن نعي ونعمل دون التفكير “النمطي” على فاعلية البناء الديموقراطي بالمفهوم الثوري الحقيقي لا الرأسمالي لنحقق الأهداف ونمضي إلى بر الأمان بعيدًا عن الضبابية حتى نبلغ الوضوح المشرق ونعيد لمصر يقينها الساطع وإيمانها الصادق.



















