مع مطلع الألفية الجديدة بدأت التكنولوجيا تزحف وتتلون بتفاصيل جديدة داخل حياتنا بخطىٰ متسارعة، حيث إنها بدأت كضيف خفيف الظل ثم باتت في كل بيوت مصر وداخل العقول، فمع بداية دخول الإنترنت لم يكن العالم الرقمي سوى نافذة صغيرة نلجأ إليها بحذر، يدخل منها الشباب والكبار إلى مساحات للمعرفة ويتصفحون المعلومة بكل يُسر وتمهُل ويتعاملون مع التقنية الجديدة كوسيلة لا الهيمنة، فقد كان الجيل السابق يتعامل مع التطور التكنولوجي الملحوظ بقدر من الإنضباط يعرف ويدير وقته ويجلس ويعود لحياته وأسرته وعمله وكانت العلاقة هي المنفعة.
مع التطور وتسارع أدوات الإتصال وظهور الهواتف الذكية والمنصات الرقمية شهد المجتمع قفزة هائلة في التقنية حتى أصبح الوصول للمعرفة سريعًا والتواصل أسهل والتعليم والعمل منفتح وأصبح العالم قرية صغيرة بالفعل تتلاشى فيه المسافات، وتحولت التكنولوجيا بظلالها عند الكثير إلى أداة عزل وسلطة على العقل، واليوم نقف ونرى هذا التسارع المُذهل، ونفرض سؤالًا، هل يُحسن الشباب من هذا الجيل قيادة التكنولوجيا كما فعلت الأجيال السابقة عند ظهورها؟ وهل أصبح هذا الجيل يُقاد؟ وهل سيصنع تقدمًا في هذا العالم أم إن هناك إفراط وإغراق؟
إن المشهد الذي نراه في الكثير من شباب الجيل ولا سيما مراحل قبل التعليم الجامعي وما بعده أيضًا حيث كلما اتسعت الشاشة وصار التعامل مع التكنولوجيا أسرع إلا أن هناك وصفًا لممر طويل من التشتت والإنجذاب، فبدلًا أن تكون الهواتف الذكية مكتبات متنقلة وأبحاث ومنصات للتعلم وجسرًا للمستقبل تحولت عند الكثير من الشباب إلى إستهلاك سريع وعالم إفتراضي لا ينتهي اللغو فيه، ولا يخلو من الضجيج وسط ساعات تُهدر ووقت يُنفذ في متابعة من تزوج من، ومن انفصل عن من، ومن غنى لمن أغنية أو مهرجانًا جديدًا ليبحث عنه، ومن أثار الجدل بصورة أو تصريح، وكأن المعرفة انحصرت في أخبار عابري السبيل وأخفت الدنيا عنهم العلوم والتجارب التي لا تحصى!
الوعي أصبح هامشًا، والتسلية هي المقصد، والضوضاء هي الأساس والبديل عن التفكير، فالشباب يقضي ساعات في التتبُع السطحي يفقد التدرج والتركيز ويعتاد على المعلومة السريعة والخاطفة التي تمر مرور الظل فلا يتعمق ولا يفهم ولا ينضج وعيًا، فقد يجلس بعضهم بجوار الأباء والأمهات بدون تركيز ومشتت في العالم الخفي، ويكون العقل اعتاد على السرعة وبات لا يعرف التأمل أو الصبر ويمل من أي طريق، فما بين المقطع والأخر والتعليق العابر يُشكل وعيًا هش يعرف فيه جميع الأخبار ولكنه يعجز عن معرفة نفسه.
وفي مسار الممر تبدو مفارقة أكثر تأملًا فبينما يتحرك البعض بحثًا عن دورات تدريبية ومنح تعليمية وفرص مهنية داخل الوطن وخارجه، ويفندون المواقع والمنصات الدولية التي تفتح أبواب العِلم والعمل والسفر واكتساب الخبرة، ينصرف أخرون إلى سراب يستهلك الوقت ويقتله ولا يبني مستقبلًا، وكأن الشاشة ضاقت عند البعض لتكون بابًا للوهم يلاحق فيها العابر ويترك ما يصنع مستقبلًا أو يفتح له أفق ليمنح حلمًا، لينحصر البحث عما هو واهِ ويغيب السعي عما هو باق.
وفي ركنًا أخر تأتي منصات الدردشة والتواصل الإجتماعي بما تحمله من تزاحم لا ينتهي وأحاديث تمتد لساعات ورسائل لا تنقطع ومتابعات وهمية ليزداد الفراغ الخفي، ووسط التسارع تنجذب شريحة من الشباب لتطبيقات ومواقع المواعدة والزواج أو برامج التعارف التي تسرق القُرب الإنساني في صورة سريعة، فيتحول التواصل من مساحة للتعارف المسئول إلى باب للمراوغة العاطفية ومحاولات الإيقاع بالأخرين، ويصبح الصدق أقل حضور، والرغبة في الإثارة والإنتباه وكسب الإعجاب هو الحاضر.
وعلى امتداد الممر تقف المواقع الإباحية بوصفها واحدة من أكثر الأمور قسوة على النفس والعقل إذ يقف بعضهم أمام محتوى يصوغ تصورات مشوشة في علاقات غير أخلاقية ويزرع فيهم مقاييس بعيدة عن الواقع ليترك أثرًا وسلوكًا عميقًا غير سوي وتُضعف القدرة في بناء الصورة الصحيحة والمتزنة عن العلاقات والإحترام المتبادل، ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل يُربك التركيز الدراسي ويُضعف الحوار الأسري.
فإن الخطر ليس في تطور التقنية ذاتها بل في “تفاهة” الإستخدام حين تغيب القيم ويضعف الوعي ويكون الإنسان أسير لحظة لا يفكر في شيء سوى إشباع رغباته وفضوله.
ومن زاوية أخرى نرى بريق أخر يخدع من يراه ولا يقل أثره عن غيره لكنه الأكثر إغراء واستدراج وهو وهم الثراء السريع، ذلك الطريق الذي يبدو قصيرًا لكنه يحمل في نهايته خسائر لا تُرى إلا بعد فوات الأوان، فقد دخلت حياة الكثير من شبابنا تطبيقات المراهنات الرقمية ومنصات المضاربة السريعة وموجة صعود الأسهم وهبوطها، والعملات الرقمية وتقلباتها، حيث صار البعض ينظر إلى شاشة هاتفه كما لو كان باب مغارة “علي بابا” لا يحتاج إلا لضغطة واحدة أو لحظة حظ أو قرارًا مزينًا بالأماني، فإن التقنيات الحديثة فتحت بابًا للإندفاع والمطاردة جعلت بعض الشباب يلهث وراء مكسب ليضيع التفكير وتبدأ “المُقامرة” المقنعة بالأمل والربح السريع، فكم من شاب جلس أمام هاتفه ينتظر أرقام تتصاعد وتهبط فقط لأنه شاهد مقطعًا مصورًا يعده بالثراء السريع في دقائق معدودة! فهل درس السوق أو فهم المخاطر؟ فقد وقع تحت تأثير محتوى المغامرة أملًا في بطولة زائفة، ومع كل ارتفاع يشتعل الطمع ومع كل خسارة يتولد التعويض، فيستمر السعي وراء فرصة لا تبني مستقبلًا أو تصنع حلمًا بل تؤجل الواقع أو تكاد تقتله.
أن المأساة الحقيقية في الدافع لدى الشباب ليس فقط الجشع أو الطمع فقد يقف هؤلاء الشباب خلف الشاشة لأنه لا يجد عملًا مستقرًا أو يحلم بالزواج ويحسب السنوات، ومن يسعى لتأمين أسرته أو من يريد المساعدة أو يبحث عن نافذة يخرج منها من ضيق إلى أمل، لكن الطريق المختصر قد يتحول إلى متاهة حين يختلط الطموح بالعجلة، والرغبة في النجاح بوهم الوصول بلا تعب، مما يجعل هؤلاء في توتر دائم وعلاقات نفسية مرهقة وفرح مؤقت عند المكسب وانكسار عند الخسارة، حتى يكون أسير لرقم يرتفع وأخر يسقُط، ويظن أن المال هو من يدير حياته، فقد يبدو بالتجربة ولكن وفي صمت قد يتحول إلى نزيف للأموال لتصبح الحقيقة أشد قسوة وأكثر تعقيدًا، فإن بناء الأحلام لا يكون عبر القفزة المفاجئة بل بالمعرفة والصبر، فالتكنولوجيا قد تكون مسرحًا للوهم وقد تمنحك الفهم والعمل الصحيح.
إن التطور التكنولوجي يمكن أن يصنع جيلًا أوسع للمعرفة وأقوى وعيًا وأكثر قدرة على تحقيق الحلم إذا تم إستغلاله جيدًا، فإن التكنولوجيا ليست خصمًا، ولكن من الممكن أن تكون كذلك حين يفقد الإنسان توازنه ويترك نفسه لتقوده، وبين القيادة والإنقياد تُكتب فيها ملامح جيل كامل إما أن يجعل من التطور التقني نورًا وأملًا يرتقي به، أو قيد وجدران يعيش خلفها لتسرق منه العمر يومًا بعد يوم.



















