النوبة هي الدرة الأسوانية في صعيد مصر منبع الجمال والتراث وهي نقطة البداية وبها الثقافة والحضارة المعمارية الفنية التي تحاور الأجيال على مر العصور، تصيغ مجدًا حيًا شاهدًا على الهوية المصرية بروحها وأشعارها وطموحها وتحدياتها التي تنطق بالمعاني الراسخة.. وفي أسوان وعلى ضفاف النيل والمعابد القديمة والأسواق العتيقة رحلة تعلمنا الصمود والكبرياء.. رحلة لزمن يخلق التحديات والفرص والتجدد وقصص حضارات متعاقبة شاهدة على كرامة الأهل والدفء من حكايات تكتبُها الأيام وداخل القرى التي ترسخ جذور التاريخ وتبرز التراث.. قرية الديوان إحدى قرى النوبة والتي هي همزة وصل بين الماضي وعراقته والإحساس بالجوهر والحضارة التي تنبض، فإنها درة شامخة في قلب النوبة تتلألأ كخضر الصفاء.. بيوتها بسيطة في مظهرها.. عظيمة في معناها.. جدرانها تروي الصبر.. فهي ليس مكانًا بل روح تسكن القلوب قبل البيوت.. تخرج بين أزقتها معاني كبيرة ومن بين وجوه أهلها أمل لا يغيب.. فهي ثابتة كالصخر.. ورقيقة كمياه النيل.. فهي الجوهر وزادنا الفكري.. وينبوع الفداء والعطاء ونور الأرض التي تلتقي بإشعاع السماء.
الديوان انطلق منها الكاتب الصحفي الكبير “محمد شاكر” ليكتب عن هذه الأرض وأهلها، فقد كتب الكثير وحمل الرسالة موثقًا للتاريخ من خلال كتاباته الفريدة مخلدًا تراث هذه الأرض.. فهو أسمًا وجزءًا من ذاكرة النوبة وكان يعشق الديوان عشقًا لا تحده الكلمات ولا تصفه العبارات.. فكانت الديوان في قلبه وذكراه التي لا تغيب فهو أبنها.. كلما ابتعد عنها اقترتب شوقًا.. كان يحدثني عنها ويذكر أهلها بالمحبة ويتحدث عنها ببساطة وعن نخيلها بالشموخ وعن أصالة أهلها التي لا تزول.. فكانت الديوان هي البداية والغاية التي نتعلم منها الإنتماء والقوة على البقاء.. كتب عنها الكثير والكثير.. فصار أسم الديوان في قلبه عهدًا وكانت في ذاكرته وعدًا لا ينسى.
“محمد شاكر” هو الأستاذ والقيمة الوطنية والمهنية المتعددة المواهب.. كانت كلماته ترتقي لمرتبة الخلود وترسم الآمال وترفع الطاقات والقدرات.. كلماته لها ديباجة مشوقة وأسلوب مُحكم ودقيق.. فقد عرف القراء وكان يزن العبارات بالمعيار الذهبي.. حتى وبعد ذكرى رحيله الخامسة يظل حاضرًا بروح وفكره المهني المتفرد.
التحق “محمد شاكر” بـدار أخبار اليوم فور تخرجه في كلية الآداب، فكان انضمامه بداية طريق طويل من العطاء والتميز فقد تتلمذ على يد مدرسة مصطفى أمين والذي كلفه بالعديد من المهام الصحفية في بداية عمله منها أعمال مؤتمر القمة العربية عام 1964 في الإسكندرية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر وبحضور الزعماء العرب وأثبت كفاءة مهنية عالية، وعشق قلمه العديد من الزعماء العرب منهم عبد الله السلال الرئيس اليمني في حقبة الستينات الذي كان يطلب منه مرافقته دائمًا حتى على طائرته الخاصة، وقاد مكتب جريدة الأخبار بالإسكندرية لأكثر من عقدين محققًا العديد من الإنجازات.
“محمد شاكر” كان يعلم أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة ومسؤولية قبل أن تكون شهرة ومنذ خطواته الأولى أدرك أن الكلمة أمانة، وأن القلم موقف، فاختار أن يكون صادقًا في حرفه، حاضرًا في فكره، ثابتًا في مبدئه.
خمسون عامًا قضاها في بلاط صاحبة الجلالة، يعمل بفكر متجدد وحضور لا يغيب، حتى صار أسمه معروفًا للقاصي والداني، وصار وجهًا مألوفًا في ذاكرة الصحافة المصرية.. تتلمذ على يديه العديد من صحفيي الثغر بل كادوا يكونون جميعًا، فكان لهم شيخًا بحق، وأستاذًا بصدق، وملجأً حين تضيق السبل وتتشابك بهم الدروب.
كان يحدثني دائمًا عن الصحافة، وعن صمودها تحت الغيوم، وثباتها أمام التحديات، وعن إيمانه بأن الكلمة الصادقة لا تموت وإن اشتدت العواصف.. فمن لا يعرف “محمد شاكر” فهو أستاذ بحق، تعلمت منه القليل وكان عنده الكثير والكثير.. كلماته لم تكن حبرًا على ورق، بل كانت نبضًا إنسانيًا يرتقي بالفكر ويرتفع بالروح، ويزرع في القلب يقينًا بأن الرسالة باقية ما بقي الصادقون.
هو الأستاذ الذي كان يؤكد لي بأن الكلمة المكتوبة هي الباقية وإن المسموعة عابرة.. فقد كان صاحب القلم الوحيد الذي وصل به إلى النجومية والفكر المتألق الذي احتفظ بمكانته وحضوره بين الأجيال التي عشقت الكلمة.. والفيلسوف الذي جمع ببراعته العديد من اعلام الفكر فكان يعشق محمود عباس العقاد وطه حسين.. فقد كان نجم الشباك الصحفي فهو ملك الأناقة وصياغة الكلمات ومهندس التذوق في مجالات المعرفة والثقافة.. فهو يستطيع تحويل أي قصة أو بعض الكلمات إلى دليل للثقافة وبوابة للمعرفة.. عرفته أستاذًا وهو بكل أمانة أعظم عقلية في الصحافة من الحرفية والمهنية.. وكان صيادًا للأخبار.. فكان عشقه للخبر لا يعرف العطش.. فهو صاحب المادة الدسمة لكل القراء.
حدثني عن العديد من الكتاب أمثال جلال الدين الحمامصي ويوسف السباعي وموسى صبري وعن المدارس الصحفية فقد عشق الحبر وبرزت سماته بالتفاعلات والقدرة على توظيف المعاني الموازية.. قام بتأسيس جريدة الأيام في جامعة الإسكندرية وأخرج من تحت يديه العديد من الكوادر المهنية المميزة.. كان يهاجم دون تردد، فهو صاحب المواقف التي يستظل بها بين الرؤية والسخرية والمنهج العلمي البحت، ومن خلال نضج العبارات ودقة التعبير في تحضير الأرواح.. كما انه دخل دوائر الحكم خاصة في حكم السادات ومبارك.. وكان يقف دائمًا بين الأجيال الحاضرة والمفكرين.. فكان فليسوفًا أمام جميع الصراعات.. كان صحفيًا ومُعلم والأسطى بجميع الرؤى فقد اجتهد وبحث وتزود وخلد أسمه بين الرواد.. عرف اللغة المهنية ورسم لمن اقترب منه حدود الطريق الجديد والمسار اليسير.. كان قيادة لا يهُيب أي حسابات أو سطوة أي من كان، تناول العديد من الكتابات بقلمه الحر وبالشجاعة صنع المجد.. فهو صاحب الفضل ورمز الوفاء دون غرض.. قلمه لا يرتعش وأسلوبه لا ينكمش.. تفاعل وتعامل مع جميع المدارس الصحفية.. فهو واحدًا من عجائب الصحافة المصرية التي مازال طريقها محفوف بالمهالك والخطر.. واصبحت تعاني أزمات عديدة إلا وإنها هي العمود الفقري للمجتمع المصري والعنصر الأساسي في البناء الديموقراطي لأي دولة حقيقية تريد أن يكون بها حرية رأي وتعبير ومسار سياسي حقيقي يقبل النقد.
فماذا جرى للصحافة ولهذه الصناعة وللصحف؟ ماذا جرى للعقل، وما كل هذه الآلام التي تعانيه؟ فهل هناك أسلوب ممنهج أدى إلى هبوط القوة وبريق الكلمة وتأثيرها.. وأين قدسية الكلمة؟ وما كل هذا الإنحراف؟ فالصحافة هي “السلطة الشعبية” ولها الممارسة الكاملة في الحرية ونشر المعلومات والأراء والفكر دون وجود سقف أو حتى إسراف.. فهذا مبدء الأداء الديموقراطي في كل زمن.
إن الصحافة مهنة العاشقين وإنها وإن مرضت فلا تشيخ وإن ظهرت عليها عوامل التجريف.. فإن حرية الكلمة هي البوابة الحقيقية لنهضة الوطن.. والميزان الذي يقاس به ميزان العقول قبل قيمة العنوان.. فإن ضاق الفكر وتراجعت الجرأة يرجع الضوء وتصبح الصفحة بيضاء بلا روح وإن كانت مليئة بالكلمات.. فالأزمة ليست ورقًا بل ضمير وقلم يستبدل.. فالكلمة مقدسة إن غاب صدقها غاب أثرها وتراجع بريقها ووعي الناس معها.
الصحافة رسالة عشق نتحمل ثمنها.. قد تتبدل وتتغير الوسائل لكن الجوهر باقي.. ما بقي الباحث عن الجواب.. فإن شجاعة الكلمة من نزاهة القلم وتبقى صافية وينقى العقل ويلمع بريق الصحافة.. فهي صناعة الوعي وصوت المجتمع الذي يعلو وضميره حين يغضب، وإن كان التجريف قد أًصاب أطرافها، فإن الجذور حية تنتظر مطر الحرية لكي تعلن إن صدق الكلمة باقية ولا تموت.


















