انتشر مؤخرًا فيديو يوثّق مشادّة كلامية بألفاظ نابية بين سكرتير عام محافظة سوهاج، اللواء علاء عبد الجابر، ونائب المحافظ الشاب الدكتور محمد عبد الهادي، وذلك في حضور المحافظ نفسه. ولم يكن سبب الخلاف مشروعًا خدميًا أو رؤية تنموية، بل ببساطة – حسب ما تم تداوله – كان التسابق على دخول مسجد يُفتتح، والوقوف بجوار المحافظ لالتقاط صور تذكارية!
هذا المشهد، رغم طرافته، يكشف عن خلل عميق في بنية الأداء التنفيذي المحلي. لقد أصبح الظهور الإعلامي، والتموضع في “الكادر”، هو المعيار غير المُعلَن للنجاح، لا الإنجاز الحقيقي أو خدمة المواطن.
يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو: “حين يُصبح المظهر بديلاً عن الجوهر، تسقط السياسة في درك التمثيل لا الحقيقة”.
رضا القيادات أهم من رضا المواطن
الصراع على الصورة ليس إلا انعكاسًا لقناعة مترسخة لدى كثير من المسؤولين: أن فرص البقاء في المنصب والترقّي لا تعتمد على مؤشرات أداء حقيقية، بل على “الظهور” و”البروباغندا”.
في هذا المناخ، يصبح رضا القيادة الأعلى هو الهدف، لا رضا الناس.
وقد عبّر المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عن هذه الظاهرة حين قال: “حين تغيب الرقابة الشعبية، تُصبح الدولة سيّدة نفسها، ويُصبح المواطن غريبًا عن القرار”.
غياب المجالس المحلية.. غياب للمشاركة.. غياب للمواطن
رغم مرور أكثر من عقد على غياب المجالس المحلية المنتخبة، ورغم النصّ الواضح في المادة 180 من دستور 2014 على ضرورة تشكيلها، لا تزال السلطة تماطل في إجراء هذه الانتخابات.
والنتيجة: سلطة تنفيذية بلا رقيب شعبي حقيقي.
يقول الفيلسوف الألماني هيغل: “المشاركة في القرار هي التي تخلق المواطن، لا الطاعة”.
إن المجالس المحلية ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل هي آلية ضرورية للرقابة والمساءلة، ومنصة لتجسيد إرادة المواطنين في السياسات المحلية.
في غياب الرقابة الشعبية، تتحول الإدارة المحلية إلى مشهد تمثيلي، لا مشروع تنموي؛ سلطة بلا مسؤولية، بلا رقابة، وبلا محاسبة… فتكون النتيجة: مسؤولًا يسعى إلى اللقطة لا إلى الإنجاز.
وقد لخّص المفكر مالك بن نبي هذه الحالة بدقة حين قال: “حين تنفصل السلطة عن المراقبة، تصبح أداة للتزيين لا للبناء”.
استعادة التوازن تبدأ من الناس
استعادة التوازن لن تحدث إلا حين تعود الرقابة إلى الشعب، من خلال إجراء انتخابات محلية حقيقية، تفرز ممثلين يُعبّرون عن إرادة الناس، ويراقبون السلطة التنفيذية باسمهم.
وقتها فقط، سيعلم المسؤول أن البقاء في منصبه لا يُكسبه بالابتسام للكاميرا، بل بخدمة المواطن.






















