تابعت باستغراب وملل وأسي ما جاء علي لسان السياسي والبرلماني ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل، والذي أعلن عدم اعترافة بثورة يناير، مؤكدا أن ٢٥ يناير فقط عيدا للشرطة، وهو الأمر الذي اغضب ملايين المصريين، الذين خرجوا في ثورة يناير مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الأجتماعية.
وفي ظني ان الثورات تُصنف علميا بشكل أعمق، من ما جاء علي لسان “الشهابي” والذي كان صديقا لجماعة الاخوان، وشاركهم في عضوية مجلس الشوري بالتعيين. فعلي مدار التاريخ هناك ثورات شعبية وتنويرية قادها الفلاسفة وطبقة البرجوازية في أوروبا، وشاهدنا هذه الثورات في زمن العصور الوسطي، وكانت في مواجهة قسوة وإجرام الدولة الدينية، والملوك المعادين للعلم وناضلت هذه الثورات من اجل الفردية والحرية وحكم الشعب للشعب.
كما نجحت في تأسيس العقد الاجتماعي والدساتير التي نظمت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ورسخت حرية التجارة وحرية العقيدة والاختيار، وهنا نستطيع أن نقول إن هذه الثورات كانت تقودها طبقة جديدة من البرجوازيين والمصنعين والمدافعين عن الدول العلمانية الحداثية.
ونجحت هذه الطبقة في القضاء علي طبقة الاقطاعيين وملاك الأراضي، وشركائهم من رجال دين متعصبين ومجرمين، وأصبحنا نشهد عالم الثورات العلمية الذي لا مثيل له، ونتج عنه الاختراعات التي تخدم الإنسان حتي الان وساهمت في تقدمة وسعادتة.
وانتقل العالم لنوع جديد من الثورات وسميت بالثورات الاجتماعية وقادها احزاب ثورية شيوعية، مثلما شاهدنا الثورة البلشفية التي انطلقت عام ١٩٠٧ وحققت اهدافها وانتصرت عام ١٩١٧ بقيادة الرفيق لينين في روسيا.
وبعدها بسنوات شاهدنا ثورات شبيهة ومنها الثورة الحمراء في الصين بقيادة ماو والحزب الشيوعي، وكان الهدف منها إنقاذ الصين من الاستعمار الياباني، وبناء دولة صناعية تقدمية تحرر العمال والفلاحين والشعب من الفقر والاستغلال، وها هي حققت اهدافها علي مدار سنوات طويلة، واصبحت تنافس اقوي دولة في العالم وكانت هذه الثورات نتيجة طبيعية بسبب معاناة الشعوب، من استغلال اصحاب المصانع والألة للفقراء والعمال والفلاحين اسوء استغلال لتكنيز الارباح.
وخلال القرن التاسع عشر انطلقت الثورات الملونة، والتي دعمها الغرب في مواجهة الأحزاب الشيوعية الثورية، من أجل القضاء علي الاتحاد السوفيتي.
ومازالت هذه الدول وأشهرها أوكرانيا وجورجيا ويوغوسلافيا وغيرها من الدول بأوروبا الشرقية، تعاني ايضا من استغلال الغرب لهم لتحقيق مآربة غير المشروعة في العالم، بسبب اعتمادهم علي حماية الناتو الذي لم ينقذهم من حرب ضروس، نشهدها الأن بين روسيا واوربا، واصبحت امريكا تتعامل معهم بانتهازية، لا مثيل لها وتركتهم في مهب الريح.
كما شاهدنا في القرن الواحد والعشرين، بمنطقتنا العربية، ثورات شعبية وجماهيرية غير منظمة وليس لها قائد او حزب يقودها، كما لا يملك الداعين لها برنامج واضح للحكم، وزعيم يثقوا في قيادة بلدهم والعمل علي تقدمها.
وانطلقت هذه الثورات من تونس مرورا بمصر ووصولا لسوريا وليبيا واليمن والسودان، وللأسف كان المشترك بين هذه الثورات هو صعود الحكم الإسلامي، بمختلف تنوعاته لرأس السلطة في هذه الدول.
وما يهمني هنا هي مصر التي شهدت ثورة شعبية حقيقية في يناير، ولها اهداف عامة اساسية عبر عنها الشعب وفي القلب منه الشباب، الذي عاني من الديكتاتورية وغياب العدالة الاجتماعية والحرية.
وانتكست هذه الثورة لنفس الاسباب التي رفع شعارها شباب ٢٥ يناير، وهي ديكتاتورية مبارك والأنظمة التي سبقتة، وكان غياب الحريات ومحاصرة الأحزاب المدنية، سببا في تغلغل الجماعة الارهابية في كل مدن وقري ونجوع مصر.
وعندما أجريت انتخابات حرة نجحت جماعة الأخوان باكتساح في الانتخابات التشريعية، ثم فازت في الانتخابات الرئاسية، وحينها ادرك الشعب كذبهم واستغلالهم للدين لتحقيق اهداف عميلة، وأبرزها تقسيم مصر وأخونة جيشها وتدمير اقتصادها.
ونجحت ثورة ٣٠ يونيو في إنقاذ مصر مرة اخري، وهنا يكمن السؤال اليس هو الشعب الذي شارك في يناير بالملايين، هو ذاته ويضاف إليه ملايين أخري من دعوا لثورة ٣٠ يونيو لتصحيح المسار.
وبفضل هذا الشعب انقذنا مصر من الأخونة، وأصبحنا دولة تضع خطوط حمراء لكل الاعداء، وترفض التهجير وتمتلك بنية تحتية لا مثيل لها في الشرق الأوسط وأفريقيا. وفي ظني ستظل الثورات تعبر عن حركة شعبية تُصلح اخطائها بدماء وعرق وجهد الشعوب وهي بنت زمانها وظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا تلغي ثورة أي ثورة اخري، لان لكل ثورة ظروفها وزمانها، فهل تلغي ثورة ١٩١٩ ثورة عرابي، وهل الظروف الاجتماعية والسياسية التي انطلقت منها ثورة عرابي هي ذات الظروف التي انطلقت منها ثورة ١٩ او يناير او يونيو.
وعلي المستوي العالمي هل ما تشهدة أوكرانيا والدنمارك من خوف وهلع بسبب “ترامب”، يلغي حقهم في التخلص من الفقر والديكتاتوية تحت حكم الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ويقلل من قيمة ثورتهم الشعبية في زمن آخر وفي قرن آخر.
وهل يُحاسب الثوار الروس الذين صاروا في بداية القرن العشرين، علي ما اصاب الاتحاد السوفيتي نهاية عصر استالين وحتي يلتسن، وهل تلغي بلطجة ترامب نضال الشعب الأمريكي من اجل دستور يساوي بين البيض والسود، وهل يدفع ثوار أوروبا فاتورة الدفاع عن حرية التجارة وعلمانية الدولة، بسبب معاناة العمال الأوروبيين في فرنسا من قسوة راس المال، واستعمار الدول العربية والأفريقية والهند في القرن الثامن عشر.
وفي النهاية ستظل يناير ثورة استكملت مسارها وصححتة في ٣٠ يونيو، ومازلنا متمسكين بحلمنا لدولة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وهي احلام وامنيات، لازلنا نحلم بها بعد كل هذه السنوات، ونأمل ان نصل لها دون ان تشهد بلادنا اي فوضي، ويُنقذنا الله تعالي من مصير سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان، بفضل حكمة وسلمية ووطنية شعبنا وجيشنا.
الرابط المختصر https://alhorianews.com/sh/g1lo




















