كانت شوارعنا في الليل تغرق في الصمت والعتمة، ويتداخل فيها لون الطين مع سواد الليل. وحتى اليوم، مهما أضاءوا الطرق بالفوانيس والمصابيح الحديثة، لا يستطيع الضوء أن يمحو الذاكرة.
قدرنا أننا ولدنا في زمن كانت الأمهات فيه لا يحملن شهادات ميلاد ولا جوازات سفر، وإنما يحملن هموم البيوت وأعباء الحياة. ولدنا عند الغروب، في زمن العباءات السود، حين كانت المرأة الريفية تخوض معركة الحياة في صمت، بلا شكوى ولا ضجيج.
التاريخ الحقيقي لا يسكن دائماً في القصور ولا في القاعات الفخمة ولا في كتب المثقفين. أحياناً يسكن في القاع، في الحواري والأزقة، بين الذين عاشوا على الهامش، والمطرودين من الفرح، والمنشغلين طوال عمرهم بتدبير لقمة العيش.
هناك، في تلك البيوت الصغيرة، كانت تختبئ حكايات أكبر من أصحابها.
ولدت في شارع كان معظم سكانه من الأرامل. كان آخر جيل من النساء الريفيات اللاتي عشن الحياة بشرف وصلابة، وتحملن المسؤولية دون أن يرفعن أصواتهن بالشكوى. كان الأسود لون الثياب في أغلب أيام السنة، ولا يتغير إلا مرة واحدة، في الرحلة الأخيرة من البيت إلى المقبرة، حين يصبح اللون الأبيض هو لباس الرحيل.
عشنا في زمن الفرن والكانون والزير ولمبة الجاز ووابور الجاز. لم تكن هناك مساحات واسعة للخصوصية، ولا عالم مفتوح أمام المرأة كما نعرفه اليوم. كان البوح نادراً، والصمت لغة يومية، وكانت المشاعر تُدفن في الداخل حتى يأتي العمر الأخير.
وعندما قرأت رواية شارع ميجل للروائي في. إس. نايبول، وجدت نفسي أقارن بين عالمه وبين نساء شارعنا. هناك، كانت الحياة مليئة بالمرح والحفلات والمغامرات والخداع والجنون، أما هنا فكان العمل والأطفال والبيت هم الحياة كلها.
كانت نساء شارعنا يواجهن الفقر كما يواجه الجندي معركته، دون أن ينتظرن شهادة تقدير.
أتذكر أم محمد الخبازة، التي كانت تستيقظ قبل الفجر لتعمل في الفرن البلدي، مقابل عدد قليل من أرغفة الخبز. كان زوجها غائباً عن المشهد، وقيل إنه هارب من ثأر في صعيد مصر.
كنت أخرج في الفجر فأسمعها تحدث نفسها. سألتها يوماً:
“يا عمة أم محمد، بتكلمي مين؟”
قالت لي:
“لما تكبر هتعرف السر.”
كبرت، وعرفت.
عرفت أن الإنسان عندما يثقل صدره بالكلام ولا يجد من يسمعه، قد يتحول إلى متحدث مع نفسه.
وعلى الجانب الآخر كانت أم إبراهيم، امرأة لا تعرف الكسل. زوجها موجود، لكنه كان هامشياً في حياتها، يخرج لصيد السمك في الترع ويعود مع المساء.
وفي الشارع نفسه كانت فاطمة تربي البط والأوز والدجاج، وتدير بيتها بما تنتجه يداها. وكانت فوزية تمتلك عنزة ونعجة وبعض الدجاج، وكان ذلك بالنسبة إليها ثروة صغيرة تكفيها شر السؤال.
أما سنية الخياطة، فكانت تجلس أمام ماكينة الخياطة وتخيط ملابس الناس في صمت. كنت أتمنى لو كانت تستطيع أن تخيط لنا جراحنا القادمة، قبل أن نكبر ونعرف أن للحياة جروحاً لا تخيطها ماكينة.
وكان بيننا رجل أصم، كادح ونظيف، قليل الكلام بطبيعة الحال. وعندما سُئل عني أشار بعلامة تحذر من الاقتراب. يومها فكرت طويلاً: إذا كان هذا الرجل يعيش عالمه في صمت، فماذا عن بقية أهل الشارع؟ ألم نكن جميعاً أسرى لصمت أكبر، في زمن كان الكلام فيه لا يتجاوز ضرورات الحياة؟
وفي مقدمة البيوت كانت فهيمة تعيش مع زوج أصيب بالخرف. كان يضل طريقه أحياناً، وحين يرى بيتنا يتذكر شيئاً من الماضي، ثم يعود إلى التيه.
أما أم عباس فكانت تجمع الحطب، وتعرف بعض الوصفات الشعبية، وتقرأ الكف أحياناً، وكانت تقوم بدور ساعي البريد قبل أن يعرف الناس البريد الإلكتروني ومواقع التواصل.
كانت امرأة لا تقرأ ولا تكتب، لكن البعض كان يستغلها في نقل الرسائل بين العشاق. كانوا يكتبون الكلمات على ذراعها بالحبر، ثم تمضي بها إلى صاحب الرسالة.
رسائل من زمن كانت فيه شجرة الجميز ومقام القرية مكاناً للقاء، قبل أن يصبح اللقاء موعداً أمام محطة قطار أو في ميدان بعيد من مدن العالم.
كان شارعنا عالماً مكتفياً بذاته، تحكمه علاقات اجتماعية غريبة ومعقدة، ويعيش فيه رجال مهمشون ونساء أكثر قدرة على مواجهة الحياة.
وكان هناك شارع موازٍ أطلقنا عليه اسم “شارع العميان”، لأن إحدى العائلات عانت من مرض أصاب أعين أفرادها. وكعادتنا القديمة، كنا نضع الأسماء والصفات على الناس، وكأننا لا نعرف أن لكل إنسان قصة لا نراها.
أما شعبان الأعرج، فكان الرجل الوحيد الأعزب الذي يعيش وحده في الشارع. كان شديد البأس، كثير الشرب، مشاغباً، يخشاه الناس.
وعندما مات، احتارت نساء الشارع ماذا يقلن في جنازته. كانت الندابة فتحية أمام النعش، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة، وقالت بحيرة:
“ماذا أقول عن هذا الرجل؟”
حتى الموت كان يجعلنا نتوقف لحظة عن الخصومة.
ثم مات زوج أم محمد الخبازة. وفي الجنازة كانت ابنته تبكي وتقول:
“ليست ساعتك يا أبي.”
فرد أحد المشيعين ساخراً:
“كانت ساعة زبون.”
ضحك البعض وسط الحزن، ثم عاد الجميع إلى الصمت.
وفي يوم آخر أصيب حلاق الحارة بأزمة قلبية وهو يضحك، ونُقل إلى المستشفى، لكنه مات، وترك زوجته وحيدة بلا أبناء.
وفي سنواتها الأخيرة أصبحت شبه عمياء، تسكن في ركن من شارع العميان، أمام خربة لم يبق منها إلا آثار الجدران.
وكانت أم زهية واحدة من أكثر نساء الحي غرابة في علاقتها بالخوف. أثناء حرب عام 1973 كانت المرأة الوحيدة تقريباً التي تنام بلا قلق.
وفي آخر مرة رأيتها فيها، كانت تجلس على عتبة بيتها في المساء، تضع يديها على خديها.
قالت لي:
“من أنت؟”
أجبتها.
نظرت إليّ وقالت:
“محمد؟ ولّع لمبة الجاز، النور انطفأ.”
نظرت إلى وجهها، فوجدت الغروب ساكناً في عينيها الغائمتين.
قلت لها:
“هولع لك الليل لو النور انطفى.”
لم تكن تريد المصباح فقط. كانت تريد أن تتحدث. كانت تريد أن تجد إنساناً يسمعها، ولو لدقائق.
نسيت للحظات أن أغير المصباح، وانشغلت بالتفكير في الحرب، وفي العزلة التي عاشتها تلك المرأة، وفي ذلك الجيل كله الذي حمل الخوف والحزن والفقر دون أن يجد وقتاً للحديث عن نفسه.
كان شارعنا في الليل غارقاً في الصمت والعتمة ولون الطين والسواد.
وما زال كذلك في ذاكرتي.
لكن الزمن تغير.
اختفت لمبة الجاز، وحل محلها ضوء الكهرباء. اختفى وابور الجاز، وتغيرت البيوت، وتبدلت الملابس، وسافرت الأجيال الجديدة إلى مدن بعيدة وبلدان لم تكن نساء الشارع يحلمن حتى بسماع أسمائها.
ومع ذلك، بقي شيء واحد لم يتغير.
الذاكرة.
فالبيوت قد تهدم، والشوارع قد تتسع، والوجوه قد تختفي، لكن الطين الذي التصق بأقدامنا في الطفولة يظل معنا أينما ذهبنا.
وربما لهذا السبب، كلما عدت إلى الشارع في الليل، أشعر أنني لا أمشي بين البيوت، وإنما أمشي بين أشباح الذين أحببتهم.
هؤلاء الذين لم تكتب الصحف أسماءهم، ولم تُلتقط لهم الصور، ولم يعرفوا شيئاً عن وسائل التواصل، لكنهم عاشوا حياة كاملة، وتركوا فينا أثراً لا تستطيع السنوات محوه.
لقد كانوا أولاد حارتنا.
وكانت الحارة وطناً صغيراً.
واليوم، ونحن نعيش في زمن تتسارع فيه الحياة، وتبتلع الرأسمالية المتوحشة تفاصيل الإنسان، وتصبح العلاقات أكثر برودة، نفهم قيمة ذلك الزمن الذي كنا نشتكي من قسوته، ثم اكتشفنا بعد رحيله أنه كان يحمل قدراً كبيراً من الدفء.
قد يكون الحنين إلى الماضي ليس حنيناً إلى الفقر أو الظلام، وإنما حنيناً إلى الإنسان الذي كان يسكن تلك الأيام.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث مصري متخصص في الجغرافيا السياسية

















