دعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” إلى وقف إطلاق نار فوري في غزة، واصفةً معاناة المدنيين بـ”الكارثية”.
وأكدت “الأونروا” أن الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة هم من الأطفال والنساء والرجال المدنيين الذين يعانون أوضاعًا إنسانية كارثية لا يمكن وصفها.
وشددت الوكالة في بيان لها عبر حسابها في منصة “إكس” على أن لا شيء يمكن أن يبرر العقاب الجماعي المفروض على الشعب الفلسطيني، في ظل تدهور مستمر للوضع الإنساني نتيجة القصف المتواصل والحصار الذي يمنع دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية.
وحذرت الأمم المتحدة من أن نحو 420 ألف شخص قد نزحوا مرة أخرى منذ استئناف الحكومة الإسرائيلية حربها على قطاع غزة في 18 مارس الماضي. وأشارت “الأونروا” إلى أنه منذ انهيار وقف إطلاق النار في غزة، قُتل نحو 600 طفل وأُصيب أكثر من 1600 آخرين، وفقًا لبيانات “اليونيسف”، مرجّحةً أن تكون الأزمة الإنسانية في قطاع غزة قد بلغت الآن أسوأ مراحلها منذ أكتوبر 2023. كما أشارت “الأونروا” إلى أنها تدير حاليًّا 115 مركز إيواء منتشرة في مختلف أنحاء القطاع، توفّر ملاذًا لأكثر من 90 ألف نازح.
اقرأ أيضًا: عصام أبو بكر يكتب: التهجير الطوعي.. حرب إسرائيل الصامتة
كان الكنيست الإسرائيلي قد أقرّ تشريعًا يحظر عمل “الأونروا”، وأخطرت إسرائيل الأمم المتحدة رسميًّا بإلغاء الاتفاقية التي تنظم علاقاتها مع الوكالة منذ عام 1967. وقالت الأمم المتحدة إن “القانون يحظر النشاط أيضًا في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية”.
ودخل قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحظر “الأونروا” حيّز التنفيذ في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل القدس، ما يعني حرمان عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من خدمات بينها التعليم والرعاية الصحية، لا سيما مع إغلاق مقار “الأونروا” في القدس المحتلة.
وحذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” من أن أكثر من مليوني نازح في قطاع غزة يحاصرهم الجوع والعطش والمرض والخوف، مشيرةً إلى أن الحصول على وجبات الطعام أصبح مهمة شبه مستحيلة للأسر في القطاع، وفقًا لما ذكرته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.
وأوضحت “الأونروا” أن ما يسمح الاحتلال الإسرائيلي بإدخاله عبر المعابر من الدقيق والمواد الغذائية لا يلبي سوى 6% من حاجة السكان، الأمر الذي تسبب بأزمة حادة، خاصة في الحصول على الخبز، وهو ما أدى إلى إغلاق معظم المخابز في جنوب قطاع غزة.
وكشفت “الأونروا” عن أن جيش الاحتلال دمّر أكثر من 200 مدرسة ومركز إيواء كليًّا أو جزئيًّا نتيجة الضربات الإسرائيلية بمختلف أنحاء قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر الماضي.
كما قُتل أكثر من 730 نازحًا في مراكز إيواء “الأونروا”، إضافة إلى أكثر من 200 من موظفي الوكالة حتى الآن. كما أعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قصف الاحتلال الإسرائيلي لـ18 مدرسة إيواء في غزة خلال شهر واحد.
وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا قامت إسرائيل بحظر “الأونروا”؟ ولماذا تقصف مراكز الإيواء التابعة لها في غزة؟ وهل تحتاج إلى ذلك؟
بالتأكيد، تحتاج إسرائيل إلى حظر “الأونروا” وقصف مراكز الإيواء التابعة لها لهدفين:
الهدف الأول: إجبار الفلسطينيين على الخروج من غزة، ومنع إعادة توطينهم فيها أو محاولتهم ترميم بيوتهم وجراحهم، ودفعهم للخروج من غزة نهائيًّا.
وهذا هو الهدف الرئيسي من حرب غزة؛ تدمير غزة وتهجير سكانها. فغزة سيتم تفريغها بالكامل من سكانها على مدى سنوات، عبر التهجير القسري أو الطوعي. وسيتم ذلك في صمت، بعيدًا عن الإعلام، فيما يُطلق عليه “الحرب الصامتة”. فقد أصبحت غزة الآن مكانًا غير صالح للعيش، إذ دُمّرت أكثر من 80% من بيوتها بالكامل، وأُزيلت أحياء سكنية بأكملها، ومُحيت مدن كاملة، وأُبيدت أسر بالكامل من السجل المدني.
الهدف الثاني والأهم: إيصال رسالة للفلسطينيين بأنه لا يوجد مكان آمن لهم في غزة، وأنه عليهم إمّا التهجير أو القتل، ومنع أي مؤسسة من مساعدتهم تمهيدًا لتهجيرهم ومنعهم من البقاء. ولهذا السبب، قامت إسرائيل بحظر “الأونروا”، التي تساعدهم على البقاء أحياء، وقصفتهم في مراكز الإيواء والخيام التي نزحوا إليها، لينهكوا أكثر فأكثر، ويدفعوا إلى الخروج من غزة، والفرار نحو البحر، أو الحدود، أو الميناء، أو المعابر، هربًا من جحيم القصف الذي طال كل مكان، وجعل غزة كلها منطقة غير آمنة.
رغم أن مراكز الإيواء معتمدة من الأمم المتحدة وتؤوي مدنيين عُزّل هُدمت بيوتهم، ولجأوا إلى أماكن يُفترض أن تكون آمنة وفقًا للاتفاقيات الدولية، فإن هذه المراكز تعرّضت للقصف، رغم خلوّها من أي نشاط عسكري أو عناصر مسلحة من حماس. ويعلم الكيان الصهيوني ذلك.
وبرغم ذلك، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن أكثر من نصف المدارس المستخدمة لإيواء النازحين في غزة تعرّضت للقصف. الرسالة الدموية التي تريد إسرائيل إيصالها للفلسطينيين هي: لا مكان لكم آمن في غزة، وعليكم إمّا التهجير وترك غزة، وإمّا القصف والقتل.
أما ما تبقى من مبانٍ في غزة، فأُرجّح أنه سيتم هدمها وهي خالية، لأن الهدف هو مسح المكان ومعالمه بالكامل. فهذه حرب تهدف إلى تدمير غزة بالكامل، وإعادة إعدادها من جديد بمواصفات مختلفة، تمهيدًا لتسليمها إلى أمريكا. وبذلك، يُفترض ألّا يبقى فلسطيني في غزة، ولا أن يجد أي غزّاوي مكانًا آمنًا فيها، أو يفكر في إعادة إعمارها.
هناك لعبة أمريكية – إسرائيلية لإيهام الشعب الفلسطيني بأن إسرائيل لا تنوي احتلال غزة أو تهجير الفلسطينيين، وذلك بإعادة السلطة الفلسطينية لتحل محل حماس في الحكم. لكن الحقيقة خلاف ذلك؛ إذ ستُسلَّم غزة لأمريكا، وسيُهجَّر الفلسطينيون طوعيًّا وعلى مراحل. والدول أصبحت جاهزة لاستقبالهم، وفتحت معابر التهجير.
وإذ أدركت مصر المخطط منذ بدايته، فإنها لا تنوي فتح أبوابها للفلسطينيين، سعيًا لمنع تهجيرهم. ولذلك، تمارس أمريكا ضغطًا على مصر لفتح معبر رفح، أو استخدام طرق بديلة مثل الميناء، أو المطارات، أو معابر أخرى، لنقلهم إلى دول مثل إندونيسيا وألبانيا، كما صرّح ترامب.
ولا يعني ذلك أن هناك سلطة فلسطينية ستُحكم غزة، فالسلطة الفلسطينية انتهى دورها السياسي في القطاع. وإنما ستكون هناك إدارة مؤقتة عبر مؤسسات فلسطينية وأمن مساعد للقوات الدولية متعددة الجنسيات، في مرحلة انتقالية. كما ستعمل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية من الضفة الغربية في غزة، إضافة إلى المؤسسات الاقتصادية، ولكن لا عودة لغزة الفلسطينية، ولا حكم فلسطيني بها.
وتخطط أمريكا وإسرائيل لأن تكون غزة خالية من الفلسطينيين، بصمت، وعلى مدى سنوات، فيما يُعرف بـ”الحرب الصامتة”، وتهيئتها لتكون قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. وهذه أخطر مرحلة. فلن يكون هناك حكم فلسطيني في غزة، وإنما مرحلة انتقالية تُستخدم فيها السلطة الفلسطينية مؤقتًا لإدارة السكان.
هذا هو المخطط: إنهاء الوجود الفلسطيني في غزة، وإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، والهيمنة المطلقة لإسرائيل على الضفة الغربية.
أما في الضفة، فستُدمَّر المخيمات الفلسطينية أيضًا، في إطار القضاء على فكرة “حق العودة”، إذ ترى إسرائيل أن المخيمات بؤر خصبة للنضال والمقاومة. ولهذا، فإن هدفها جعل هذه المخيمات غير صالحة للحياة، لتفكيك هذه القوة الكامنة داخلها، والتي تسيطر على عقول الشباب وتُجنّدهم.
ومع وجود أكثر من 800 ألف مستوطن في الضفة، أصبحت فكرة إنهاء المخيمات مطلبًا ملحًّا لدى الكيان الصهيوني، الذي يسعى إلى إنهاء الوجود الفلسطيني داخل إسرائيل. ولهذا، تُحرّض قوات الاحتلال المستوطنين على الهجوم على القرى الفلسطينية في الضفة.
هؤلاء المستوطنون تربّوا في حظائر الإرهاب البشري، ومهمتهم الأساسية هي التكاثر والاستيطان في الضفة الغربية. وهم خطر على الفلسطينيين المقيمين في الضفة، وسيُسمح لهم بالبقاء هناك لترويع الفلسطينيين في القرى، ومنع التمدد العمراني فيها، ودفع سكانها للنزوح نحو المدن، ما يُفسح المجال لتمدد الاستيطان في أراضي القرى ومحيط المدن.
وهكذا، ستُحقّق إسرائيل هيمنتها المطلقة على الضفة بعد أن تنهي وجود الفلسطينيين في غزة.





















