تحل علينا ذكرى الخامس والعشرين من يناير، وفي الأفق سحابة غريبة من “الإنكار”. محاولات مستميتة لطمس هذا التاريخ أو تشويهه، وكأن ما حدث كان وهماً، أو خطيئة يجب التطهر منها. ولكن، وبعيداً عن ضجيج التشويه، تبقى الحقائق المجردة صلبة لا تقبل الكسر: يناير ليست مجرد يوم في الرزنامة، بل هي الحدث المؤسس لكل ما نعيشه اليوم.
مفارقة الحكم والإنكار
لعل أغرب مفارقات المشهد الحالي تكمن في أن خريطة القوى الحالية ما كانت لتتشكل لولا زلزال يناير. إن كثيراً ممن يتصدرون المشهد، أو من نالوا فرصاً في إدارة البلاد، وصلوا إلى مواقعهم لأن يناير كسرت الجمود الذي استمر لثلاثين عاماً.
لولا يناير، لما تحركت المياه الراكدة.
لولا يناير، لما كان هناك “٣ يوليو” أو خارطة طريق، ولا تغيرت موازين القوى.
لولا يناير، لما تغيرت خريطة الشعوب في المنطقة بأسرها، حيث أعادت هذه الثورة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكسرت حاجز الخوف للأبد.
الثورة “البريئة” التي لم تحكم
يخلط الكثيرون عمداً بين “الثورة” كفعل تغيير وانفجار شعبي، وبين “الإدارة” التي تلتها. والحقيقة الدامغة التي يغفلها النقد الجائر هي أن يناير لم تحكم يوماً واحداً. الثورة كانت “الصرخة”، كانت “الحلم”، وكانت “الدافع”، لكنها لم تكن “السلطة”.
إن ما حدث من إخفاقات سياسية، أو تدهور اقتصادي، أو فوضى في مراحل تالية، هو مسؤولية من أدار المشهد، ومن تصارع على الكعكة، وليس مسؤولية من هتف في الميدان “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”. تحميل يناير وزر الفشل الإداري هو تجنٍ على التاريخ؛ لأن الثورة قامت لتبني، لا لتهدم، ولكن أدوات البناء لم تكن يوماً في يد شبابها.
الجيش والثورة: حقيقة لا تُطمس
في خضم محاولات شيطنة الثورة ووصمها بـ “المؤامرة”، لا يمكننا أن ننسى موقفاً تاريخياً فاصلاً للمؤسسة العسكرية المصرية. كيف ننسى، أو نتجاهل، أن الجيش المصري العظيم وقيادته في ذلك الوقت انحازوا للإرادة الشعبية؟
الجيش المصري لم يطلق رصاصة واحدة على المتظاهرين.
قيادات الجيش وقفت تؤدي “التحية العسكرية” لشهداء يناير.
هذا الانحياز يؤكد حقيقة واحدة: أن قيادات الجيش المصري الوطنية كانت تعي جيداً الفارق بين “المؤامرة” وبين “الثورة”. لو كانت يناير مؤامرة في نظرهم آنذاك، لما حموا الميدان، ولما ساندوا مطالب الشعب. إن محاولة تصوير الأمر الآن كخديعة كبرى هي إهانة لوعي الجميع في تلك اللحظة التاريخية، جيشاً وشعباً.
الثمن: دماء أنبل الشباب
إن أعظم حصن يحمي يناير من الإنكار هو “الدم”. تلك الدماء الزكية التي سالت لشباب وشابات كانوا – وبحق – من أجمل وأطهر ما أنجبت مصر. هؤلاء لم يخرجوا طمعاً في منصب، ولا سعياً لغنيمة، بل خرجوا بصدور عارية يواجهون الموت من أجل حلم بوطن أفضل.
اعتراف قادة العالم أجمع، من الشرق إلى الغرب، بأن ما حدث في مصر كان واحدة من “أعظم ثورات التاريخ الحديث”، لم يأتِ من فراغ. كان اعترافاً برقي السلوك، وسلمية الحراك، ونبل الغاية.
كلمة أخيرة
مهما حدث لثورة يناير من انكسارات، ومهما تلاها من إخفاقات، ليس ليناير فيها نصيب. تظل يناير هي “الحدث”، وتظل هي “البداية”. قد يتمكن البعض من تغيير الكتب المدرسية، أو توجيه الإعلام، لكنهم لن يتمكنوا من تغيير الذاكرة الحية لجيل كامل رأى النور في الميادين.
٢٥ يناير ستظل صفحة بيضاء في تاريخ مصر، كتبها الشعب بدمائه، وحماها الجيش بوطنيته، ولن يمحوها إنكار المنكرين.





















