على مدار التاريخ الحديث، تعرّضت الدول العربية والإسلامية لاحتلال غربي مباشر، لم يكن مجرد توسع استعماري، بل كان نهبًا منظّمًا للثروات، واستباحة للأرواح، وتدميرًا للهوية الثقافية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن هذا التاريخ الدموي لم يحظَ بأي محاسبة من قبل الدول التي نفّذت هذه الجرائم، على عكس ما فعلته إسرائيل مع ألمانيا، حيث استحصلت تعويضات ضخمة بحجة المحرقة.
الاحتلال الفرنسي.. وحشية ممنهجة
فرنسا لم تكتفِ باحتلال الجزائر، المغرب، تونس، تشاد، وكوت ديفوار، بل مارست عمليات إبادة ممنهجة، لا سيما في الجزائر، حيث قُتل أكثر من مليون ونصف مليون شهيد، وتعرض السكان للتهجير القسري والمجازر الجماعية. في المغرب، استخدمت القوات الفرنسية الأسلحة الكيميائية لقمع المقاومة في الريف، وفي تشاد، دعمت أنظمة عميلة لضمان استمرار الهيمنة الغربية.
الاحتلال البريطاني.. النهب بأنياب “الحضارة”
بريطانيا التي احتلت مصر والسودان والهند والخليج العربي لم تكن أقل وحشية. لم يكن الاحتلال البريطاني لمصر مجرد سيطرة عسكرية، بل كان نهبًا اقتصاديًا دمّر البنية الزراعية والصناعية لصالح الشركات البريطانية. السودان تمزّق بفعل سياسة “فرّق تسد” التي زرعت بذور الصراعات الأهلية لعقود. وفي فلسطين، وضعت بريطانيا الأسس لقيام الكيان الصهيوني عبر وعد بلفور، وفتحت الباب أمام أكبر عملية تهجير قسري في العصر الحديث.
الاحتلال الإيطالي.. همجية بلا قيود
إيطاليا، رغم صغر حجمها الاستعماري مقارنة ببريطانيا وفرنسا، إلا أن احتلالها لليبيا كان من الأكثر دموية. مجازر الإبادة الجماعية التي ارتكبها الإيطاليون، وعلى رأسها استخدام معسكرات الاعتقال، أودت بحياة ما يقرب من ربع سكان ليبيا.
الغرب.. مجازر بلا محاسبة وتاريخ من الدماء
الغرب وحده مسؤول عن قتل عشرات الملايين في حروبه الصليبية التي امتدت لقرون، حيث أباد مدنًا بأكملها تحت راية الصليب، وحولها إلى أنهار من الدماء. ثم جاءت الحروب العالمية الأولى والثانية، التي لم تكن سوى مذابح جماعية بين دول أوروبا نفسها، حيث قُتل أكثر من 100 مليون إنسان نتيجة سياسات توسعية جشعة، وحروب استعمارية بربرية.
ولكن، لم يقتصر الأمر على الماضي، بل استمر الغرب في جرائمه ضد العرب والمسلمين حتى يومنا هذا:
نكبة فلسطين (1948): قامت بريطانيا بتسهيل احتلال فلسطين وتسليمها للصهاينة عبر وعد بلفور، مما أدى إلى تهجير أكثر من 750,000 فلسطينى. العدوان الثلاثي (1956): شاركت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في العدوان على مصر بعد تأميم قناة السويس. حرب العراق (2003): غزت الولايات المتحدة العراق بحجج واهية، مما أدى إلى مقتل أكثر من مليون عراقي وتدمير البنية التحتية بالكامل.
الحرب في ليبيا (2011): تدخل حلف الناتو لتدمير ليبيا بحجة إسقاط القذافي، مما أدخل البلاد في فوضى لم تنتهِ حتى اليوم. القصف الأمريكي على سوريا (2014 – حتى الآن): تحت ذريعة محاربة الإرهاب، نفذت الولايات المتحدة مئات الغارات التي أودت بحياة المدنيين ودمرت المدن. حرب اليمن (2015 – حتى الآن): بدعم غربي، ساهمت القوى الكبرى في إطالة أمد الحرب من خلال صفقات الأسلحة والدعم الاستخباراتي.
ومع ذلك، يحاول هذا الغرب أن يصدر لنا مشهد التحضر والتقدم، وكأنه مثالٌ للأخلاق والإنسانية. كيف نتركهم يخدعوننا بهذه الصورة المزيفة؟ كيف يمكن اعتبارهم أفضل وهم في الحقيقة أسوأ خلق الله، وأشر خلق الله؟ كيف ننتظر منهم رحمة أو احترامًا لحقوق الإنسان، وهم الذين قتلوا ملايين البشر من أجل مصالحهم الاستعمارية؟
المقارنة مع إسرائيل.. لماذا لم نحاسب مستعمرينا؟
إسرائيل، التي أقامت دولتها على أنقاض فلسطين، لم تكتفِ بجرائمها ضد الفلسطينيين، بل طالبت ألمانيا بتعويضات مالية ضخمة عن الجرائم النازية ضد اليهود. حصلت إسرائيل على أكثر من 7 مليارات مارك ألماني خلال العقود الأولى من قيامها، مما ساعدها في بناء اقتصادها وجيشها.
في المقابل، لم يطالب العرب فرنسا وبريطانيا وإيطاليا بتعويضات عن المجازر التي ارتكبوها، ولا عن سرقة الثروات، ولا حتى عن التدمير الممنهج للبنى التحتية.
الاحتلال الجديد.. عملاء الاستعمار
لم ينسحب الاستعمار الغربي من بلادنا إلا بعد أن زرع فيها أنظمة تابعة له، تحكم بالوكالة، وتحافظ على المصالح الغربية أكثر مما فعل الاحتلال نفسه. هؤلاء “الزعماء” الذين قدموا أنفسهم كقادة للتحرير، لم يكونوا إلا امتدادًا لسياسات الهيمنة، فأغرقوا بلادهم في الفساد والتخلف.
إلى متى التسامح مع جلادينا؟
الغرب الذي يبرر قصف لبنان وتدمير المواقع العسكرية السورية اليوم بحجة “الأمن القومي”، هو نفسه الذي احتل بلادنا لعقود دون أن يعلن حربًا رسمية. الاستعمار لم يكن مجرد هيمنة عسكرية، بل كان استباحة كاملة للأرض والإنسان. فلماذا نسامحهم بينما لم تسامح إسرائيل ألمانيا؟ ولماذا لا نطالب بتعويضات عن الجرائم التي ارتكبت ضد شعوبنا، كما فعل اليهود؟
الغرب همجية بلا محاسبة
وللأسف، مقابل هذا الضعف والهوان، يستمر الغرب، سواء أوروبا أو أمريكا التي هي في الأصل وليدة الأوروبيين الذين احتلوا أرض الهنود الحمر، وهم أنفسهم الذين ذبحوا أكثر من 60 مليونًا منهم. الغرب الهمجي الذي يصدر كل أنواع القتل والتهجير والإبادة، كم مليونًا قتل بسبب وحشيته؟ هل هناك مقارنة بأي جرائم ارتكبها المسلمون؟ بل على العكس، الإسلام قدم للغرب كل مفردات وقواعد الحضارة والتقدم من خلال علماء المسلمين الذين تدرس مناهجهم في كل جامعات الغرب.
الاحتلال ليس مجرد حقبة منسية، بل جرح لم يندمل. والتاريخ لا يرحم الأمم التي تغفل عن حقوقها. لقد آن الأوان للتحرر من هذه العبودية الفكرية التي جعلتنا نرى المستعمر كمصدر للحضارة والتقدم، بينما هو في الحقيقة رمز للوحشية والهمجية المطلقة.




















