أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية و الاستراتيجية أن توجه الحكومة نحو قيد الشركات المملوكة للدولة في البورصة المصرية ضمن برنامج الطروحات الحكومية يمثل تحولًا هيكليًا في إدارة الأصول العامة، ويعكس انتقالًا تدريجيًا من نموذج الدولة المالكة والمشغلة إلى نموذج الدولة المنظمة للنشاط الاقتصادي.
وأوضح السيد، في تصريحات خاصة لـ«الحرية»، أن هذا التوجه لا يقتصر على كونه وسيلة لزيادة الموارد المالية، بل يعد أداة رئيسية لإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع كفاءته، خاصة في ظل الضغوط التمويلية الداخلية والخارجية المتزايدة.
قيد مؤقت لـ20 شركة.. مرحلة انتقالية مهمة
وأشار إلى أن القيد المؤقت الذي بدأ بالفعل بعدد 6 شركات حكومية، مع خطة للتوسع إلى 20 شركة في المرحلة الأولى، يمثل خطوة انتقالية مهمة تسمح بإدخال هذه الكيانات إلى سوق المال دون انتظار استيفاء جميع شروط الطرح النهائي. وتؤكد تقارير حكومية حديثة أن الدولة تستهدف قيد 20 شركة على مراحل خلال أبريل 2026، مع الانتهاء بالفعل من قيد 6 شركات كنموذج أولي. 
وأضاف أن الاستعانة بمستشارين ماليين مستقلين لتحديد القيمة العادلة يعزز مستويات الشفافية ويحد من فجوة المعلومات، وهي من أبرز التحديات التي واجهت برامج الطروحات السابقة.
وأكد أن إدراج الشركات، حتى ولو بصورة مؤقتة، يفرض عليها الالتزام بمعايير الإفصاح والحوكمة، بما ينعكس على تحسين الكفاءة التشغيلية والانضباط المالي.
تقليل الدين وجذب الاستثمارات
وأوضح السيد أن برنامج الطروحات يستهدف تحقيق عدة أهداف متشابكة، أبرزها توفير مصادر تمويل غير تقليدية لتقليل الاعتماد على الدين العام، إلى جانب جذب استثمارات أجنبية مباشرة، في ظل توجه الدولة لتمكين القطاع الخاص وتقليص هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن قيد 20 شركة حكومية من شأنه أن يعزز عمق السوق ويرفع مستويات السيولة، خاصة أن السوق المصري يعاني حاليًا من محدودية عدد الشركات الكبرى ذات رأس المال السوقي المرتفع، مع تركز نسبة كبيرة من التداولات في عدد محدود من الأسهم القيادية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الحكومة بالفعل بدأت تنفيذ خطة قيد 20 شركة مملوكة للدولة، في خطوة تستهدف توسيع قاعدة الملكية وتنشيط التداولات. 
تنشيط البورصة وزيادة السيولة
وأضاف أن إدخال شركات جديدة من قطاعات مثل البترول والكيماويات والصناعة الثقيلة سيؤدي إلى تنويع الأدوات الاستثمارية، وزيادة جاذبية السوق للمؤسسات الاستثمارية، خاصة صناديق الاستثمار الأجنبية التي تبحث عن أسواق ناشئة ذات عمق وسيولة كافية.
وأوضح أن زيادة عدد الشركات المقيدة بنسبة تتراوح بين 15% و20% قد ترفع متوسط قيم التداول اليومية بنسبة بين 25% و40% خلال السنوات الأولى من التطبيق، بشرط توافر بيئة استثمارية مستقرة.
توسيع دور القطاع الخاص
وشدد السيد على أن البرنامج يمثل خطوة محورية نحو توسيع دور القطاع الخاص، ليس فقط من خلال بيع حصص من الشركات، ولكن أيضًا عبر خلق شراكات استراتيجية وتحفيز الإدارة الخاصة على تطوير هذه الكيانات.
وأضاف أن دخول مستثمرين استراتيجيين يتيح نقل الخبرات الفنية والإدارية والتكنولوجية، بما يساهم في تحسين الإنتاجية ورفع كفاءة التشغيل.
عوائد اقتصادية ومالية مباشرة
وأشار إلى أن زيادة عدد الشركات المقيدة وحجم الطروحات سترفع القيمة السوقية الإجمالية للبورصة، والتي تدور حاليًا حول 25% إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل من مثيلاتها في الأسواق الناشئة.
وأكد أن البرنامج يمكن أن يسهم في مضاعفة هذه النسبة على المدى المتوسط، بما يعزز دور سوق المال كأداة تمويل رئيسية للاقتصاد.
وأضاف أن الطروحات ستوفر إيرادات مباشرة للموازنة العامة من خلال بيع حصص في الشركات، بما يخفف عجز الموازنة ويقلل الحاجة إلى الاقتراض، فضلًا عن تحسين أداء الشركات وزيادة توزيعات الأرباح المحولة إلى الخزانة العامة.
وتوقع أن تتراوح حصيلة البرنامج بين 5 و10 مليارات دولار خلال عدة سنوات، وفقًا لظروف السوق وتقييمات الشركات.
ثقة المستثمرين والتحديات
وأكد السيد أن البرنامج يعزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، خاصة إذا تم تنفيذه بشفافية وآليات تسعير عادلة، كما يساهم في تحسين التصنيف الائتماني لمصر على المدى المتوسط.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح البرنامج سيعتمد بشكل أساسي على جودة التنفيذ وشفافية التقييم، وقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين تعظيم العائد المالي والحفاظ على الأصول الاستراتيجية للدولة.


















