كانت ثورة 25 الحلم الذى تحقق، بدماء شهدائها، ومصابيها، وسلمية شبابها، وحلم الرائعين الذين تغزل في إنجازهم زعماء الأرض، وأمنية الورد الذي تفتح في جناين مصر، تذوقنا طعم الحرية، وعشنا لحظات النصر.
في ميدان التحرير وكل ميادين مصر تجمع المصريين، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين مسلم ومسيحي، خرجوا يهتفون عيش حرية كرامة إنسانية، يبحثون عن الحرية، يكسرون حاجز الخوف، يملئهم إيمانهم بوطنهم، ينفضون الخنوع والخضوع، بصدور عارية، واجهوا جحافل الأمن، تلقوا الرصاص الحى والخرطوش و المطاطى، استشقوا الغاز المسيل للدموع، لم يرتدوا الى الخلف واستمروا برغم سقوط ضحايا من بينهم الى غايتهم.
أيام كانت تمر بطيئة ولا تفتر عزائمهم، ونظام لم يستطع أن يتفهم مطالب المصريين، ساعده غروره على بقائنا فى الميدان، خرج مرة يتوعدنا أنا أو الفوضى، أو يرهبنا والغرب بالدولة الدينية، ومرة يستعطفنا بتاريخه فيقسم وحدة الميدان ويكسب البعض فى صفه، ثم تخرج جحافل دولته العميقة لتكسيه خزي وعار، ثم يعلن تفويض كل صلاحياته لعمر سليمان، وتعديلات دستورية، فرفعنا الأحذية رفضًا لخطابه، وأنه لا بديل سوى الرحيل وهتفنا «يا سليمان ياسليمان غور فى داهية أنت كمان» .
وأصبح واضح للمجلس العسكرى أن الثورة لن تتراجع عن مطالبها المشروعة، ويجتمع بدون مبارك، فى رسالة ضمنية أن وقته قد نفد، ومتعهدًا بتحقيق كل مطالب المصريين المشروعة، ونحن مرابطين لا تراجع إلا بعد الرحيل.
فتم الإعلان عن جمعة الزحف، الذهاب الى قصر الاتحادية ومحاصرته، حتى يتم رحيل النظام ومحاكمته، وبدأ الحرس الجمهورى فى تحصين القصر، وخروج خبر أن مبارك سافر الى شرم الشيخ، ورغم ذلك بدأ من مساء الخميس توافد الشباب حول القصر.
لم يشغلنا الكواليس ولا التحركات التي تتم فى الخفاء، كنا نستعد فقط إلى الغد، وفى صباح الجمعة 11 فبراير 2011 بدأت الوفود إلى كل ميادين مصر، وبعض الشباب تحركت الى الاتحادية ودار حوار بينها وبين قادة الحرس خوفًا من صدام قادم لم نكن نريده، فموقف الجيش من بداية الأحداث وبعد انسحاب وزارة الداخلية كان مطمئنًا للجميع، فهو من أعطى التحية لشهداء ثورتنا، وتعهد بتنبني مطالب الثورة، وأن الجيش جيش الشعب، فكان الهتاف الجيش والشعب إيد واحدة، وعاد بعض الشباب إلى ميدان التحرير.
وفى تلك الأثناء سرت معلومة أن هناك بيان مرتقب من الرئيس، ومرَّت الدقائق ثقيلة، حتى خرج عمر سليمان وأعلن في بيان مقتضب لم يأخذه منه دقيقة واحدة، أن مبارك تخلى عن السلطة.
لحظات من الفرح المكسي ببكاء غير مصدقيين أننا نجحنا، هتفنا من أعماق قلوبنا غير مصدقين، الشعب أسقط النظام.
كنت أتصور أن تسير خريطة الطريق وفق ما تم الإعلان عنه فى مطالبنا المشروعة، وما حدث بعد التنحي نحن لسنا السبب الوحيد، فقد كنت أتخيل أن جمعة الزحف هى آخر عهدنا بالثورة والمظاهرات والاعتصامات، لكن ماحدث من تكالب وتباطؤ وتخاذل وانتهازية بعض القوى السياسية، جعلنا نعود سريعًا مرة أخرى.
سيظل يوم 11 فبراير 2011 لحظة مهمة في تاريخ مصر، وذكرى رائعة لن ننساها، يوم ذقنا فيه طعم الحرية، وكسرنا حاجز الخوف والصمت، وأطحنا برأس النظام العنيد المتمسك بكرسي السلطة، وهتفنا الشعب أسقط النظام.
سأظل أفتخر أنني أنتمي إلى ثورة يناير، مهما حاولوا تشويهها، لكن ستظل بشرى وبشارة.





















