القبض على مجموعة “دولة النخانيخ” ليس حدثًا عابرًا.. بل نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة
هؤلاء الأشخاص تصوروا أنهم قوة موازية للدولة.. وكان البعض يستعين بهم بديلًا عن الشرطة والقانون
التهم الموجهة إلى صبري نخنوخ تتراوح عقوباتها بين السجن 15 عامًا والمؤبد.. وهذه الجرائم لا يجوز فيها التصالح
وزير الداخلية “رجل قل أن يجود الزمان بمثله”.. ويعمل دون ضجيج
أطالب بإجراء استفتاء لحل البرلمان
لن أتحدث عن الحركة المدنية لأن “الضرب في الميت حرام”
رسالتي إلى الحكومة والبرلمان: استقيلوا يرحمكم الله
أجرى الحوار- عصام الشريف
أعده للنشر- سيف رجب
في توقيت تتزاحم فيه الملفات السياسية والقانونية على الساحة المصرية، من الجدل حول قانون الأحوال الشخصية، إلى النقاشات المرتبطة بأداء البرلمان والمعارضة، وصولًا إلى التطورات الأخيرة في قضية صبري نخنوخ وما أثارته من تساؤلات حول نفوذ بعض التشكيلات غير الرسمية، يفتح المحامي وعضو لجنة العفو الرئاسي طارق العوضي قلبه لـ”الحرية” في حوار مطول يتناول أبرز القضايا المطروحة على الرأي العام.
وخلال الحوار، يقدم العوضي قراءته لدلالات التحركات الأمنية الأخيرة، ورؤيته لمستقبل الحياة السياسية والمعارضة المصرية، كما يتحدث عن مشروع قانون الأحوال الشخصية، وموقفه من أداء البرلمان والحكومة، ودور الأزهر، فضلًا عن تقييمه لأداء وزارة الداخلية وعدد من الملفات المثيرة للجدل التي شغلت الشارع المصري خلال الفترة الماضية.
وإلى نص الحوار:
كيف تقرأ دلالات القبض على صبري نخنوخ ومن تلاه من شخصيات ارتبطت بهذا الملف؟
لا يمكن التعامل مع خبر القبض على صبري نخنوخ ومن تبعه باعتباره مجرد خبر صحفي عابر، ففي تقديري نحن أمام نهاية مرحلة كاملة وبداية مرحلة جديدة.
فعلى مدار سنوات طويلة، وجدت في بعض المناطق مجموعات وأشخاص تحولوا إلى ما يشبه القوة الموازية للدولة، حتى إن بعض المواطنين كانوا يلجأون إليهم للحصول على حقوقهم بدلاً من اللجوء إلى القانون ومؤسسات الدولة، وهؤلاء تصوروا أنهم أصبحوا بديلاً عن الدولة أو شريكاً لها في فرض النفوذ، وكان لا بد أن تأتي رسالة واضحة تؤكد أن الدولة وحدها هي صاحبة السلطة، وأن القانون هو المرجعية الوحيدة للجميع.
والأمر لم يقتصر على تكوين نفوذ موازٍ، بل امتد إلى تكوين ثروات ضخمة واقتصادات موازية، فنحن كنا أمام شبكات حققت مليارات الجنيهات من خلال السيطرة والنفوذ وفرض الإتاوات بأشكال مختلفة، سواء على الطرق أو في بعض المشروعات، بينما كان في حقيقته نوعا من البلطجة المنظمة.
البعض اعتقد أن الدولة تحتاج إلى هؤلاء أو تغض الطرف عن وجودهم، كما تصور هؤلاء أنفسهم أنهم جزء من معادلة القوة، لذلك كان من المهم أن تؤكد الدولة أنها وحدها صاحبة الحق في فرض القانون، وأنه لا وجود لأي قوة موازية لها.

وأتمنى ألا يتوقف الأمر عند هذه الوقائع فقط، بل يمتد إلى كل من مارس هذا الدور أو استفاد منه، وأن يتم الكشف عن مصادر الثروات التي كونها هؤلاء وكيفية حصولهم عليها.
لماذا جاء تحرك الدولة الآن؟
الدولة وحدها صاحبة الحق في تحديد توقيت التحرك وآلياته، فهي تدير بلدا كاملا ولديها اعتبارات وحسابات متعددة.
وأعتقد أن رسائل التحذير كانت قد وصلت بالفعل خلال الفترة الماضية، خصوصا مع مظاهر الاستعراض التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومحاولات صناعة هالات من النفوذ حول بعض الأشخاص عبر ألقاب مثل «الملك» و«الأسد» و«المعلم»، وكان من الواضح أن هناك تجاوزات تستدعي التدخل في الوقت الذي تراه الدولة مناسباً.
يلاحظ البعض أن عددا من المتهمين ينتمون إلى الصعيد وتحديدا أسيوط.. فهل ترى دلالة اجتماعية أو جنائية لذلك؟
لا أرى أي علاقة بين الأمر والانتماء الجغرافي، ومن الخطأ تفسير الظاهرة على أساس إقليمي أو ربطها ببيئة بعينها، فالصعيد معروف بقيم الشهامة والنخوة وحماية الضعيف، ولم يكن يوما بيئة قائمة على فرض الإتاوات أو البلطجة، لذلك أعتبر وجود عدد من المتهمين المنتمين إلى الصعيد مجرد مصادفة لا أكثر، ولا يمكن البناء عليها في أي استنتاج اجتماعي أو جنائي.
من واقع خبرتك القانونية.. إلى أين يمكن أن تصل العقوبات في هذه القضية؟
تابعت بعض الاجتهادات القانونية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي ذهبت إلى توقع صدور أحكام بالإعدام بحق بعض المتهمين، صحيح أن القانون يتضمن جرائم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام في بعض الحالات المرتبطة بالتشكيلات
العصابية، لكن من المبكر الجزم بذلك.

ووفقا للمعطيات المتاحة حتى الآن، أعتقد أننا قد نكون أمام أحكام تبدأ من السجن المشدد لمدد طويلة، وقد تصل في بعض الحالات إلى السجن المؤبد، وذلك بحسب ما ستنتهي إليه التحقيقات وما يثبت من وقائع وأدلة أمام القضاء.
هل توجد أي إمكانية قانونية للتصالح في هذه القضايا بما فيها واقعة معرض السيارات؟
لا، لا يوجد مجال للتصالح في مثل هذه الجرائم، فالقانون يجيز التصالح في بعض الجرائم ذات الطابع الشخصي البحت، كحالات السب أو القذف أو الاعتداءات البسيطة التي تتعلق بحقوق فردية مباشرة، لكن عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس المجتمع أو الأمن العام أو تتضمن استعراض قوة وبلطجة أو جرائم جنائية جسيمة، فإننا نكون أمام ما يسمى بالحق العام، وهو حق لا يملكه الأفراد حتى يتنازلوا عنه.
لذلك فإن جرائم البلطجة واستعراض القوة لا تقبل التصالح، أما إذا ثبتت اتهامات أخرى مثل الخطف أو التعذيب أو هتك العرض أو الاتجار غير المشروع أو غيرها من الجرائم الجنائية الخطيرة، فالأمر يصبح أكثر تعقيدا وتكون العقوبات أشد.
وفي حال ثبوت جريمة هتك عرض مقترنة بالخطف، فإن القانون ينص على عقوبات بالغة القسوة قد تصل إلى الإعدام، لكن ذلك كله يظل مرهوناً بما ستكشف عنه التحقيقات وما ستنتهي إليه النيابة العامة.
واقعة التجمع شهدت الاعتداء على أحد المحامين وهو ما أثار تساؤلات حول موقف نقابة المحامين ودورها.. فكيف تقيم ما جرى؟
النقابة لم تكن غائبة عن المشهد كما يظن البعض، بل تابعت القضية منذ اللحظة الأولى، والمحامي المعتدى عليه كان موجوداً في موقع الواقعة بالمصادفة، ولم يكن طرفاً في النزاع، وبمجرد تعرضه للاعتداء تواصل مع النقابة التي تحركت فورا، سواء على مستوى النقابة الفرعية أو النقابة العامة.

وتمت متابعة التحقيقات منذ بدايتها، وحضر ممثلو النقابة مع الزميل في جميع الإجراءات، كما تم التأكيد عليه بعدم التنازل عن حقه القانوني، والواقع أن القضية الكبرى وما شهدته من تطورات متلاحقة جعلت واقعة الاعتداء على المحامي تبدو وكأنها تفصيل صغير داخل ملف ضخم، لكنها لم تكن غائبة عن متابعة النقابة بأي حال.
تتردد شائعات وأحاديث كثيرة حول احتمال تورط شخصيات برلمانية في القضية.. كيف تنظر إلى هذه الأنباء؟
لا أحد يملك إعلان تورط أي شخص أو توجيه اتهام له سوى النيابة العامة، وصحيح أن هناك الكثير من الأحاديث المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية، لكن تحويل هذه الأحاديث إلى حقائق يحتاج إلى أدلة وتحقيقات رسمية.
وما يمكن قوله هو أن البلطجة كانت في فترات سابقة إحدى الأدوات المستخدمة في بعض المعارك الانتخابية، وبالتالي فمن الوارد أن تكون هناك علاقات أو مصالح جمعت بين بعض هذه الشخصيات وأطراف سياسية أو انتخابية.
لكن هل يعني ذلك وجود نواب متورطين بالفعل؟، لا أستطيع الجزم بذلك، ولا يملك أحد الجزم به قبل انتهاء التحقيقات وإعلان النتائج الرسمية.
وأنا ضد توجيه الاتهامات جزافا لأي شخص، سواء كان نائبا أو مسؤولا أو رجل أعمال، وفي المقابل إذا أثبتت التحقيقات تورط أي شخصية عامة، فمن حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة كاملة، ومن حق المواطنين أن يحاسبوا من منحوه ثقتهم إذا ثبت أنه لم يكن على قدر المسؤولية.
بعيدا عن السياسة.. كيف تقيم أداء وزارة الداخلية خلال الفترة الأخيرة؟
إذا أردنا الحديث بإنصاف، فلا يمكن إنكار أن هناك تطورا واضحا في سرعة الاستجابة والتعامل مع الوقائع التي تُثار عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فالمواطن أصبح يدرك أن نشر شكواه أو توثيق واقعة ما قد يؤدي إلى تحرك سريع من الجهات المختصة، وهو أمر يعكس وجود آليات متابعة ورصد تعمل بشكل مستمر، وهذه السرعة لا تحقق فقط ضبط المخالفين، لكنها تخلق أيضا حالة من الردع العام لكل من يفكر في ارتكاب مخالفة أو جريمة.

وقبل أيام، نشرت شخصيا مقطع فيديو لسيارة تسير عكس الاتجاه على الطريق الدائري، ولم أتمكن حتى من تصوير أرقامها بسبب سرعتها، ومع ذلك تمكنت الأجهزة الأمنية خلال وقت قصير من تحديد السيارة وضبطها وإعلان تفاصيل الواقعة، وهذه الرسائل المتكررة تخلق قناعة لدى المواطن بأن القانون حاضر، وفي الوقت نفسه تدفع المخالف للتفكير أكثر من مرة قبل ارتكاب أي تجاوز.
كما أنني أرى أن وزارة الداخلية في عهد اللواء محمود توفيق تتبنى أسلوبا مختلفا يقوم على العمل المؤسسي بعيداً عن الاستعراض الإعلامي، ففي السابق كانت البيانات الأمنية تمتلئ بالأسماء والتفاصيل الخاصة بالقيادات والأفراد المشاركين في الضبطيات، أما اليوم فهناك تركيز أكبر على المعلومة والنتيجة أكثر من الأشخاص.
وبالتأكيد، لا توجد مؤسسة بلا أخطاء أو ملاحظات، لكن من الإنصاف أيضا الإشارة إلى الجوانب الإيجابية، فمن النقاط التي أراها مهمة أن هناك محاسبة داخلية حين تقع أخطاء من بعض العاملين بالجهاز، وقد شهدت بنفسي أكثر من واقعة تم التعامل معها بسرعة عندما ثبت وجود تقصير أو سوء تعامل مع بلاغات المواطنين.
والمهم بالنسبة لي أن يشعر المواطن بأن شكواه تُسمع، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
خلال الأيام الماضية انتشرت شائعة بشأن وفاة أحد قيادات جماعة الإخوان المحبوسين.. كيف تنظر إلى مثل هذه الوقائع؟
أرى أنها جزء من محاولات مستمرة لإعادة إنتاج خطاب المظلومية الذي اعتمدت عليه الجماعة لسنوات طويلة، وللأسف كثيرون يتعاملون مع مثل هذه الأخبار دون تحقق أو تدقيق، وهو ما يسمح بانتشار الشائعات بشكل واسع قبل ظهور الحقيقة.
لكن في هذه الواقعة تحديدا، جاء الرد الرسمي سريعا وواضحا، وهو ما ساهم في كشف عدم صحة ما تم تداوله، وأحرج الجهات التي سارعت إلى النشر والترويج.

والمشكلة الحقيقية ليست في الشائعة نفسها، بل في استعداد البعض لتصديقها وإعادة نشرها دون التأكد من مصادرها.
دعنا ننتقل إلى الجدل الدائر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية.. كيف تقرأ المشهد الحالي؟
قبل الحديث عن القانون نفسه، أرى أننا بحاجة إلى الحديث عن المؤسسة التي يفترض بها مناقشة مثل هذه التشريعات، فبصراحة شديدة أعتقد أن مصر تستحق برلمانا أفضل من البرلمان الحالي.
وهناك ملاحظات كثيرة تتعلق بطريقة تشكيله، والأداء الذي قدمه خلال السنوات الماضية، وحجم الجدل الذي صاحب العملية الانتخابية منذ بدايتها وحتى إعلان نتائجها، ومن هذا المنطلق لا أرى ضررا في إعادة تقييم التجربة بالكامل، وإجراء استفتاء على حل البرلمان، لأننا بحاجة إلى مؤسسة تشريعية أكثر قدرة على تمثيل المجتمع ومناقشة القوانين المصيرية التي تمس حياة المواطنين.
وما أراه أن البرلمان الحالي جاء محملاً بالكثير من الأزمات والأسئلة منذ لحظة تشكيله، وهو ما انعكس على أدائه لاحقا، فنحن لدينا أحكام قضائية وملاحظات سياسية عديدة صاحبت العملية الانتخابية، ولدينا أيضا أداء برلماني لا يرقى إلى حجم التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
ولذلك أعتقد أننا بحاجة إلى مراجعة جادة لمعايير اختيار النواب وآليات العمل البرلماني، خصوصا في ظل الدور المحوري الذي يقوم به البرلمان في صناعة التشريعات والرقابة على الحكومة.
هل ما زلت ترى أن نظام الكوتة ضروري لضمان تمثيل مختلف الفئات داخل البرلمان؟
نعم، أرى أن وجود الكوتة ما زال مهما لضمان تمثيل الفئات المختلفة داخل المجتمع، سواء النساء أو الشباب أو غيرهم من الفئات التي يستهدف الدستور تمثيلها، لكن المشكلة ليست في الكوتة نفسها، وإنما في معايير الاختيار.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج الكوتة؟ بل: من الذي يتم اختياره لتمثيل هذه الفئات؟ وهل يمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على القيام بالدور المطلوب؟، فهذه هي القضية الأساسية من وجهة نظري.
ما أبرز ملاحظاتك على مشروع قانون الأحوال الشخصية؟
أرى أن إعادة النظر في المشروع خطوة صحيحة، بل وضرورية، فسواء أُطلق عليها سحب للمشروع أو إعادة صياغة أو تأجيل للمناقشة، فالنتيجة واحدة: هناك اعتراف ضمني بأن المشروع بحاجة إلى مراجعة شاملة.
ومن وجهة نظري، هذا المشروع من أسوأ مشروعات القوانين التي طُرحت على البرلمان المصري خلال السنوات الأخيرة، فأي قانون يفترض أن تكون له فلسفة واضحة وأهداف محددة ومبررات معلنة، لكن عند قراءة المشروع ومذكرته الإيضاحية لا نجد تصورا واضحا لما تريد الدولة تحقيقه من خلاله.
وقيل إن الهدف هو تحقيق «المصلحة الفضلى للطفل»، لكن عند قراءة المواد نجد أن المشروع يركز على إدارة النزاع بعد وقوعه أكثر مما يهتم بمنع النزاع من الأساس، وإذا كنا نتحدث فعلا عن مصلحة الطفل، فإن البداية يجب أن تكون بالحفاظ على استقرار الأسرة وتقليل فرص الصراع بين الزوجين، وليس الاكتفاء بتنظيم الخلافات بعد انفجارها.
وكيف استقبلت بيان الأزهر الشريف؟
شعرت أن الأزهر كان حريصا على تسجيل موقفه أمام التاريخ، فقد لا يكون هناك نص دستوري صريح يلزم الحكومة بعرض المشروع على الأزهر قبل تقديمه، لكن عندما نتحدث عن قانون يتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين فمن الطبيعي أن يكون الأزهر حاضرا في المناقشات منذ البداية، كما يجب الاستماع إلى الكنيسة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية للمسيحيين.
والقضية ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما تتعلق بضرورة الاستفادة من المؤسسات صاحبة الاختصاص والخبرة قبل إخراج تشريع بهذه الحساسية.
وما أبرز المآخذ التي تراها في المشروع؟
هناك أمثلة عديدة على وجود مشكلات في الصياغة وعدم الاتساق بين بعض المواد، فبعض النصوص بدت وكأنها كُتبت بشكل منفصل ثم جُمعت في مشروع واحد دون مراجعة كافية، وهو ما أدى إلى ظهور تعارضات وثغرات أثارت الكثير من الجدل القانوني والاجتماعي، لهذا أعتقد أن المشروع بصورته الحالية لن يمر، وأننا سنشهد إعادة صياغة واسعة له قبل طرحه مرة أخرى.
إذاً ما الذي تحتاجه الدولة في ملف الأحوال الشخصية من وجهة نظرك؟
أرى أن التركيز يجب أن يبدأ قبل الزواج لا بعد وقوع الخلافات، فنحن بحاجة إلى برامج تأهيل حقيقية للمقبلين على الزواج، وفحوصات جادة نفسية وطبية، وإجراءات تساعد الطرفين على معرفة بعضهما بصورة أفضل قبل تأسيس الأسرة، والهدف من ذلك ليس منع الزواج أو تعقيده، وإنما تقليل احتمالات الصدام مستقبلاً.
كما أننا بحاجة إلى تفعيل لجان تسوية المنازعات الأسرية بشكل أكثر جدية، عبر الاستعانة بمتخصصين نفسيين واجتماعيين ورجال دين وخبراء قادرين على التدخل قبل وصول الخلافات إلى مرحلة التقاضي.
كيف تقيم أداء المعارضة المصرية في الوقت الحالي؟
أقول دائما إن لكل حكومة معارضتها التي تشبهها، وبما أنني لست راضيا عن أداء الحكومة، فأنا أيضا لست راضيا عن أداء المعارضة.
فالمعارضة تعاني من أزمات حقيقية تتعلق بالفاعلية والتأثير والقدرة على الوصول إلى الشارع، كما أنها لم تنجح في تقديم نفسها كبديل سياسي قادر على إقناع المواطنين.

وماذا عن الحركة المدنية الديمقراطية؟
بصراحة، أعتقد أن الحركة المدنية انتهى دورها السياسي بالشكل الذي عرفناه خلال السنوات الماضية، و”الضرب في الميت حرام”
لماذا لا تزال الشخصيات نفسها تتصدر المشهد السياسي منذ عقود طويلة؟
هذه واحدة من أكبر أزمات الحياة السياسية المصرية، فنحن لدينا حالة من التمسك المستمر بالرموز القديمة، وكأن الساحة السياسية غير قادرة على إنتاج قيادات جديدة أو إفساح المجال أمام الأجيال الأصغر سنا، والمشكلة لا تتعلق فقط بالأشخاص، بل بثقافة كاملة تقوم على تقديس الرموز وتحويلها إلى ما يشبه المحرمات السياسية التي لا يجوز الاقتراب منها أو نقدها، وهذا ينعكس سلبا على فرص التجديد وضخ دماء جديدة داخل الأحزاب والحركات السياسية.
هل تؤيد فرض ضوابط قانونية أكثر صرامة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
أنا مع التنظيم، لكنني ضد التقييد، فالتجربة المصرية علمتنا أن بعض الدعوات التي تبدأ تحت عنوان «تنظيم الحقوق» تنتهي أحياناً إلى تقييدها بصورة واسعة، ولذلك يجب أن يكون الهدف هو حماية الناس من التشهير والتحريض وانتهاك الخصوصية، دون المساس بحرية التعبير أو تحويل التنظيم إلى وسيلة للمنع والمصادرة، والتحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين الحق في التعبير والحق في الحماية من الإساءة.
كيف استقبلت الدعوات التي أثيرت مؤخرا بشأن تقنين أوضاع العاملات بالجنس التجاري؟
أرفض هذا الطرح تماما، فبعيدا عن الاعتبارات الدينية، لا أرى كيف يمكن لمن يتحدث عن الدفاع عن المرأة وحقوقها أن يدعو في الوقت نفسه إلى تحويل جسدها إلى سلعة تباع وتشترى.
وإذا كانت هناك نساء يعملن بهذا الأمر في هذه الظروف القاسية فالمطلوب هو مساعدتهن على الخروج منها، عبر التأهيل والتعليم وتوفير فرص حياة كريمة، وليس منح هذه الممارسات غطاءً قانونيا أو مجتمعيا.
ومن وجهة نظري حماية المرأة تبدأ من الحفاظ على كرامتها وحقوقها، لا من تكريس أوضاع تدفعها إلى مزيد من الاستغلال.
ما رسالتك للرئيس عبد الفتاح السيسي؟
أقول للرئيس عبد الفتاح السيسي إن مصر تمر بمرحلة شديدة الصعوبة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الإقليمي، وهي تحديات تفرض أعباءً كبيرة على الدولة ومؤسساتها، لكن في الوقت نفسه أرى أن هناك ملفات تحتاج إلى تحرك أكثر جرأة، وعلى رأسها تنفيذ ما طُرح خلال جلسات الحوار الوطني، وتحويل التوصيات التي خرجت عنه إلى خطوات عملية يشعر بها المواطن.
كما أرى أن ملف سجناء الرأي لا يزال من الملفات التي تحتاج إلى معالجة شاملة، وأتحدث هنا عن الأشخاص الذين لم يتورطوا في أعمال عنف أو دماء وإنما ارتبطت قضاياهم بالتعبير عن الرأي أو المواقف السياسية، فإغلاق هذا الملف سيكون له أثر إيجابي على الاستقرار المجتمعي وصورة الدولة داخلياً وخارجياً.
ورسالتي للرئيس أن يستكمل ما بدأه من خطوات للحوار والانفتاح السياسي، وأن يضع هذا الملف ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
وما رسالتك للبرلمان؟
استقيلوا يرحمكم الله.
وللحكومة؟
استقيلوا يرحمكم الله.
ماذا تقول للأحزاب السياسية المصرية؟
أقول لهم إن المرحلة صعبة على الجميع، وإن التحديات التي تواجه العمل السياسي كبيرة ومعقدة، وأتفهم اختلاف المدارس السياسية والاستراتيجيات، وأتفهم أيضا أن بعض القوى اختارت العمل من خلال المساحات المتاحة لها، لكن المشكلة أن معظم الأحزاب فقدت علاقتها الحقيقية بالشارع.
وكثير من الأحزاب أصبحت تتحرك داخل الدوائر المغلقة وبين النخب، بينما تراجع حضورها وسط المواطنين بشكل واضح.
ما الرسالة التي توجهها إلى جماعة الإخوان المسلمين؟
أقول لهم: «وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون»، فموقفي من الجماعة معروف منذ عقود طويلة ولم يتغير، وأرى أنها ارتكبت أخطاء جسيمة في حق نفسها وفي حق المجتمع، وأسهمت في ترسيخ العديد من الممارسات السلبية داخل الحياة السياسية.
كما أرى أن استخدام الدين في الصراع السياسي كان من أخطر الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة، وأنها تتحمل جانبا كبيرا من مسؤولية ما آلت إليه أوضاعها، ولكنني في الوقت نفسه أوجه رسالة إلى السلطة مفادها أن أي ممارسات سياسية خاطئة قد تمنح الجماعة فرصة لاستعادة جزء من التعاطف الذي فقدته، وهو أمر يجب الانتباه إليه جيداً.
وأخيرا.. ما رسالتك للمعارضة المصرية؟
رسالتي الأساسية هي: تخلوا عن الشللية، حيث إن واحدة من أكبر أزمات المعارضة المصرية أنها لم تنجح في بناء عمل سياسي مؤسسي حقيقي، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى مجموعات مغلقة تحكمها العلاقات الشخصية أكثر مما تحكمها البرامج والأفكار.
فنحن لدينا خلافات داخلية بين أطراف المعارضة أحياناً أكبر من خلافاتها مع الحكومة نفسها، وهو أمر يضعف الجميع ويجعل أي مشروع سياسي جاد أكثر صعوبة.
وإذا أرادت المعارضة استعادة دورها، فعليها أن تتجاوز الحسابات الضيقة، وأن تفتح المجال أمام أجيال جديدة وأفكار جديدة، وأن تعود إلى الشارع والناس لا إلى الغرف المغلقة فقط.





















