حين يفتح مواطن مصري بسيط باب بيته مع إشراقة الصباح متجها نحو السوق أو المخبز لا يخطر بباله مضيق هرمز بالنسبة له هو مجرد اسم عابر في نشرة الأخبار الثامنة نقطة زرقاء ضيقة على خريطة بعيدة تفصل بين عمان وإيران تشتعل حولها التصريحات وتتحرك فيها البوارج وتتبادل القوى الكبرى الرسائل الخشنة بالصواريخ والمسيرات. يبدو الأمر شأنا خليجيا خالصا أو لعبة شطرنج بين عواصم معقدة لا تتقاطع مع همومه اليومية: فاتورة الكهرباء ثمن كيلو السكر ومصروفات المدارس.
غير أن الاقتصاد العالمي الحديث يشبه شبكة عصبية واحدة إذا وُخزت أطرافها في أقصى الشرق صرخت أحشاؤها في قلب القاهرة وأزقة القرى المصرية.. الحقيقة التي لا تقبل التجميل هي أن مضيق هرمز ليس شأنا بعيدا بل هو شريان الطاقة الأكثر حساسية على وجه الأرض. يمر من خلاله نحو خمس الاستهلاك اليومي للعالم من النفط وتتحرك عبر مياهه ناقلات الغاز المسال التي تعتمد عليها قارات بأكملها لإدارة مصانعها وتدفئة منازلها. وعندما يتعثر هذا الشريان أو تتردد في محيطه صيحات التهديد بإغلاقه أو رفع تكلفة التأمين على السفن العابرة فيه فإن أول ما يقفز في بورصات لندن ونيويورك هو برميل النفط يتبعه مؤشر أسعار الغاز كالنار في الهشيم وهنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تخصنا.
الموازنة العامة في مصر لا تعيش في برج عاجي بمعزل عن هذه الشاشات المشتعلة. كل قفزة لعشرة دولارات في سعر برميل النفط تعني تلقائيا فاتورة إضافية بمليارات الجنيهات تدفعها الدولة لتأمين الوقود ومحطات توليد الكهرباء وتوفير السولار لأسطول النقل الضخم الذي يحرك البلد من شمالها لجنوبها. وحين تتسع هذه الفجوة التمويلية فجأة بفعل توتر إقليمي لم نشارك فيه ولم نطلبه فإن العبء في النهاية ينزلق بهدوء شديد نحو مائدة المواطن إن أثر اشتعال مضيق هرمز لا يصل إلى المواطن في صورة برميل نفط بل في صورة رغيف خبز أو أجرة سيارة أجرة تزيد جنيهاً أو اثنين أو قفزة جديدة في أسعار الأعلاف التي تنعكس فورا على طبق البيض وكيلو الدواجن. النقل هو عصب كل شيء الفاكهة القادمة من الحقول، الخضار المنقول إلى أسواق الجملة، والسلع الغذائية المستوردة التي تصبح تكلفة شحنها وتأمينها في أعالي البحار عبئا إضافيا يدفعه المستهلك عند نقطة البيع الأخيرة يضاف إلى ذلك أن أي شلل أو توتر خانق في هرمز يجر وراءه تلقائيا اضطرابا في مسارات التجارة البحرية المتصلة بالمنطقة كلها من بحر العرب إلى البحر الأحمر وباب المندب. وهي منظومة لا تخطئها عين المتابع لما يرتبط بها من تدفقات نقدية بالعملة الصعبة تهم مصر واستقرار سوق صرفها واحتياطياتها من النقد الأجنبي. العالم لم يعد جزرا منعزلة وأمن التجارة في الخليج ليس رفاهية تخص منتجي النفط وحدهم بل هو استقرار لأسعار المعيشة لدى كل مستورد ومستهلك على حوض المتوسط. المشكلة الحقيقية التي تواجه صانع القرار والمواطن معا ليست فقط في التضخم المستورد بل في ضيق مساحة المناورة. فالأسر المصرية التي تحملت على مدار سنوات موجات متتالية من الإصلاحات الاقتصادية وتخفيضات العملة وتقلبات الأسعار أصبحت في وضع لا يحتمل صدمات خارجية إضافية تهبط عليها بجريرة جغرافيا تبعد عنها آلاف الكيلومترات. وحين يُقال للرجل البسيط إن الغلاء سببه اشتعال أسواق الطاقة الدولية يبتسم بمرارة متسائلا بعفوية الفطرة: وما ذنبي أنا بما يحدث في مضائق لا أراها؟ المنطق يقتضي أن نعترف بأن الذنب ليس ذنبه لكن النتيجة تظل من نصيبه.
هذا الإدراك لا يهدف إلى إشاعة القلق بل إلى انتزاع الوعي الجمعي من فكرة العزلة الآمنة. الاستقرار في الخليج ليس مجرد صك دبلوماسي نتمنى بقاءه في خطابات المجاملة بل هو مصلحة معيشية مباشرة لمصر. كل قطرة نفط تمر بأمان من هرمز هي سياج حماية غير مرئي يمنع أسعار السلع في أسواقنا المحلية من الانفلات وكل طلقة تطلق هناك تعني تآكلا جديدا في القوة الشرائية لجنيه يصارع للبقاء.
لقد علمتنا الأزمات المتلاحقة من كوفيد إلى أوكرانيا وصولا إلى توترات البحر الأحمر أن أمن الغذاء والدواء والطاقة ليس ملفا داخليا يُدار بين الوزارات بل هو معركة تمتد بطول خطوط الإمداد العالمية. ومضيق هرمز، بهذا المعنى ليس ماء بعيدا تسبح فيه البوارج إنه مقياس حرارة حقيقي لجيوبنا.
فإذا هدأت مياهه تنفس السوق قليلا وإذا اشتعلت أمواجه فإن النار لن تحرق الميناء وحده بل ستمتد لتلتهم ما تبقى من استقرار في محفظة المواطن العادي.


















