في كل مراحل التحول الكبرى لا يكون السؤال الحقيقي: هل نحتاج إلى الإصلاح؟ فالإصلاح ضرورة لا يختلف عليها اثنان بل السؤال الأكثر حساسية وعمقًا هو: كيف نصلح دون أن ننهك من يفترض أن يكونوا شركاء الإصلاح؟ هنا تحديدًا يقف المواطن في منطقة رمادية لا هي منطقة الرفض ولا منطقة الرضا الكامل بل مساحة ملتبسة بين الأمل والتعب بين الفهم والإنهاك وبين القبول والقدرة على الاحتمال.
الدول حين تدخل مسارات إصلاح اقتصادي أو اجتماعي عميق غالبًا ما تتسلح بلغة الأرقام: نسب نمو مؤشرات استثمار خفض عجز تحسين تصنيف ائتماني. كلها مؤشرات مهمة وضرورية لكنها تظل – في وعي المواطن – لغة بعيدة باردة لا تترجم تلقائيا إلى شعور بالأمان أو تحسن في الحياة اليومية. فالمواطن لا يعيش داخل الجداول البيانية بل داخل تفاصيل صغيرة: فاتورة كهرباء مصروف مدرسة دواء مريض، إيجار مسكن وأمل مؤجل في غد أقل قسوة.
المشكلة لا تكمن في الإصلاح ذاته بل في الفجوة بين منطقه الاقتصادي ومنطقه الإنساني. فالإصلاح حين يقدم بوصفه حتمية لا نقاش فيها ويترافق مع ضغط معيشي متزايد دون خطاب يشرح ويُقنع ويطمئن يتحول من مشروع وطني إلى عبء نفسي. وهنا يبدأ الإنهاك إن لم يكن إنكارا للإصلاح فهو شعور متراكم بأن المواطن يدفع الثمن وحده أو على الأقل يدفعه قبل أن يرى ثماره.. الإنهاك ليس مجرد تعب جسدي أو ضيق اقتصادي بل حالة ذهنية خطيرة. حين يشعر المواطن أن المطلوب منه هو الصبر فقط دون إشراك حقيقي في الفهم ودون اعتراف رسمي بحجم الضغط الذي يتحمله يبدأ الإحساس بالاغتراب. لا يعارض لكنه لا يشارك لا يحتج لكنه لا يتحمس. يواصل حياته بحدها الأدنى ويؤدي واجباته بلا روح. وهذه أخطر مناطق العلاقة بين الدولة والمجتمع: منطقة الامتثال الصامت.
في التجارب الدولية الناجحة لم يكن الإصلاح مجرد قرارات اقتصادية بل عملية تواصل متكاملة. الحكومات التي نجحت لم تقل للناس فقط: تحملوا اليوم لنربح غدًا بل شرحت لهم لماذا، وكيف، ومتى، ومن سيتألم أكثر وكيف ستُخفف الآلام. اعترفت بأن الإصلاح مكلف وبأن بعض الفئات ستتضرر مؤقتا ووضعت شبكات حماية حقيقية لا رمزية. الأهم أنها تعاملت مع المواطن باعتباره شريكا عاقلا ، لا رقما في معادلة.. أما حين يغيب هذا المنطق يصبح الإصلاح معركة استنزاف نفسي. فالمواطن لا يرفض القرارات الصعبة إذا شعر بالعدالة ولا يمانع في التضحية إذا لمس الصدق لكنه ينهك حين يشعر أن العبء يتكرر بينما الوضوح يتراجع. وحين تتراكم الأعباء دون خطاب يوازيها يتحول الصبر من فضيلة إلى عبء ومن قيمة وطنية إلى حالة إنهاك جماعي.
أين يقف المواطن إذن؟ يقف في المنتصف تماما. لا يريد عودة الفوضى ولا يقبل توقف الإصلاح لكنه يسأل بمرارة: هل يُراد لي أن أفهم أم فقط أن أتحمل؟ هذا السؤال ليس تمردا بل طلبا بسيطًا للإنصاف المعنوي قبل المادي. فالشعور بالعدل لا يقل أهمية عن الدعم النقدي والاحترام لا يقل أثرا عن الحماية الاجتماعية.
المطلوب اليوم ليس التراجع عن الإصلاح بل إعادة ضبط علاقته بالمجتمع. المطلوب خطاب صادق لا تجميلي يشرح لا يبرر يعترف بالتحديات ولا يقلل منها ويشرك المواطن في الرؤية لا يكتفي بمطالبته بالصبر. المطلوب أيضا أن يشعر المواطن أن هناك من يراه يسمعه ويدرك حجم ما يتحمله حتى لو لم تحل كل الأزمات فورا.
في النهاية لا تنجح أي دولة بإصلاحات تنهك مواطنيها نفسيا ولا تستقيم تنمية لا يشعر الناس بأنهم جزء منها. الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بما تحققه الدولة من أرقام بل بما تحتفظ به من ثقة ورضا نسبي وقدرة على الاحتمال داخل المجتمع. فالدول القوية لا تبنى على إنسان مُنهك بل على مواطن يفهم ويشارك ويصبر وهو واثق أن صبره ليس بلا معنى.
وهنا بين الإصلاح والإنهاك يجب أن نقف جميعا – دولة ومجتمع – لنطرح السؤال الأهم: كيف نُصلح.. دون أن نكسر الإنسان؟





















