تحت عنوان «طبيب بلا نيابة.. خريج بلا تكليف.. ومريض يبحث عن دوائه»، حذرت النائبة الدكتورة مروة حلاوة، عضو مجلس النواب وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، من استمرار الأزمات المتلاحقة داخل القطاع الصحي، مؤكدة أن التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا قد يؤدي إلى تجاهل المشكلة الأساسية المرتبطة بتخطيط وإدارة القوى البشرية داخل المنظومة الصحية.
وأكدت مروة حلاوة أن ما تشهده المنظومة الصحية خلال الفترة الأخيرة من أزمات في ملفات التكليف والنيابات وحركة انتقالات الأطباء، إلى جانب التحديات المتعلقة بتوفير العلاج للمرضى، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجموعة من الوقائع المنفصلة، وإنما باعتباره مؤشرًا على ضرورة إعادة النظر في آليات التخطيط للقوى البشرية الصحية وربطها باحتياجات المنشآت الطبية وسوق العمل.
مروة حلاوة: أكثر من 5400 حالة تأثرت في 3 ملفات
وأشارت النائبة مروة حلاوة إلى أن هناك أكثر من 5400 حالة موثقة تأثرت بصورة مباشرة في ثلاثة ملفات، تتعلق بتكليف خريجي العلاج الطبيعي، وحركة نيابات الأطباء لعام 2026، وانتقالات الأطباء في أسوان.
وشددت على أنها تتعامل مع الأرقام بمنتهى الدقة، رافضة إضافة أي أرقام غير محسومة أو غير موثقة، مؤكدة أن الدقة أهم من التضخيم، خصوصًا عند مناقشة ملفات تمس مستقبل العاملين في القطاع الصحي وحق المواطنين في الحصول على خدمة طبية مناسبة.
أزمة حركة نيابات الأطباء 2026
وتناولت مروة حلاوة أزمة حركة نيابات الأطباء لعام 2026، مشيرة إلى أن نحو 1400 طبيب من أصل 4900 متقدم استنفدوا رغباتهم دون الحصول على تخصص، رغم الإعلان عن وجود نحو 6324 مكانًا.
وتفتح هذه الأرقام، بحسب ما طرحته النائبة، باب التساؤلات حول آليات توزيع الأطباء على التخصصات المختلفة، ومدى ارتباط عملية التوزيع بالاحتياجات الفعلية للمنشآت الصحية، فضلًا عن وضوح وشفافية معايير المفاضلة بين المتقدمين.
وتعد النيابات الطبية من الملفات المهمة بالنسبة للأطباء حديثي التخرج، إذ تمثل مرحلة أساسية في المسار المهني والتخصصي للطبيب، وهو ما يجعل وجود آليات واضحة وعادلة للتوزيع أمرًا بالغ الأهمية.
تكليف خريجي العلاج الطبيعي والأسنان والصيدلة
كما تطرقت مروة حلاوة إلى ملف تكليف خريجي الكليات الطبية، وفي مقدمتها العلاج الطبيعي والأسنان والصيدلة، محذرة من استمرار التوسع في أعداد المقبولين بالكليات دون وجود ربط واضح بين أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل والمنظومة الصحية.
وأوضحت أن التخطيط للقوى البشرية لا يبدأ بعد تخرج الطالب، وإنما يجب أن يبدأ منذ تحديد أعداد المقبولين في المؤسسات التعليمية والتخصصات الصحية المختلفة، بحيث تكون أعداد الخريجين متناسبة مع احتياجات القطاع الصحي الفعلية.
وترى النائبة أن غياب هذا الترابط قد يؤدي إلى وجود أعداد كبيرة من الخريجين في تخصصات معينة، في الوقت الذي تعاني فيه منشآت صحية أخرى من نقص في تخصصات أو كوادر تحتاج إليها بصورة عاجلة.
مروة حلاوة تطرح السؤال الأهم: أين خريطة القوى البشرية الصحية؟
وحددت مروة حلاوة جوهر المشكلة في سؤال رئيسي يتعلق بمدى وجود خريطة واضحة للقوى البشرية الصحية تربط بين مراحل التعليم والتكليف والنيابات والتوزيع واحتياجات المنشآت الصحية، وصولًا إلى ضمان توافر الخدمة والعلاج للمريض.
ويعكس هذا الطرح أهمية الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى وضع استراتيجية مسبقة تحدد احتياجات القطاع الصحي على المدى القصير والمتوسط والطويل.
فمن وجهة النظر التي طرحتها النائبة، لا يمكن فصل أزمة تكليف الخريجين عن أزمة التخصصات الطبية، كما لا يمكن فصل توزيع الأطباء عن احتياجات المستشفيات والمناطق المختلفة، لأن جميع هذه الملفات ترتبط في النهاية بكفاءة منظومة تقديم الخدمة الصحية للمواطن.

الطبيب والخريج والمريض.. أطراف الأزمة الصحية
وأكدت مروة حلاوة أن المطلوب ليس مجرد التعامل مع كل أزمة بصورة منفردة، وإنما بناء منظومة متكاملة تبدأ من القبول في التعليم الصحي، ثم تمر بمرحلة التخرج والتكليف والنيابات والتوزيع، وتنتهي بضمان وجود الكوادر اللازمة في المنشآت الصحية وتوفير العلاج والخدمة الطبية للمريض.
وتزداد أهمية هذا التخطيط مع اختلاف الاحتياجات الصحية بين المحافظات والمناطق، الأمر الذي يتطلب دراسة دقيقة لأعداد الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وأخصائيي العلاج الطبيعي وغيرهم من العاملين في القطاع الصحي، ومقارنتها بأعداد السكان وحجم الطلب على الخدمات الطبية والتخصصات المطلوبة.
لماذا تحتاج منظومة الصحة إلى إعادة ضبط؟
تكشف الملفات التي أشارت إليها النائبة مروة حلاوة عن أهمية وجود منظومة متكاملة لإدارة الموارد البشرية في القطاع الصحي، بحيث لا تعمل كل مرحلة بمعزل عن الأخرى.
فزيادة أعداد المقبولين في بعض الكليات الصحية يجب أن تكون مرتبطة بدراسات حول احتياجات سوق العمل، كما أن أعداد الخريجين يجب أن تتوافق مع القدرة الاستيعابية الفعلية في منظومة التكليف، بينما ينبغي أن تراعي حركة النيابات احتياجات التخصصات المختلفة.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تستند حركة توزيع وانتقالات الأطباء إلى خريطة واضحة للاحتياجات الفعلية لكل محافظة ومنشأة صحية، بما يضمن عدم وجود عجز في منطقة مقابل تكدس في منطقة أخرى.
مروة حلاوة: الحل في التخطيط وليس المسكنات
وتؤكد رؤية مروة حلاوة أن الحل لا يتمثل في معالجة كل أزمة بصورة مؤقتة، وإنما في وضع إطار شامل لإدارة ملف القوى البشرية الصحية.
ويشمل ذلك، وفقًا لما طرحته، دراسة أعداد الطلاب المقبولين في الكليات الصحية، ومراجعة احتياجات سوق العمل، وتحسين آليات التكليف، ووضع قواعد أكثر وضوحًا لحركات النيابات والتوزيع، إلى جانب تحقيق التوازن في توزيع الأطباء على المحافظات والمنشآت الصحية.
كما أن نجاح أي خطة لإصلاح القطاع الصحي لا يقاس فقط بعدد الخريجين أو الأطباء الموجودين على قوة العمل، وإنما بقدرة المنظومة على توجيه هذه الكوادر إلى الأماكن والتخصصات التي تحتاج إليها بالفعل.
رسالة موجهة إلى منظومة الصحة
واختتمت مروة حلاوة طرحها بالتأكيد على أن الملفات المطروحة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمات منفصلة، قائلة: «طبيب بلا نيابة.. خريج بلا تكليف.. انتقالات غير محسوبة.. ومريض يبحث عن دوائه.. ليست أربع أزمات منفصلة، بل حلقة واحدة تحتاج إلى إعادة ضبط من البداية».
وتضع هذه الرؤية ملف تخطيط القوى البشرية الصحية أمام الجهات المعنية باعتباره أحد الملفات الأساسية التي تحتاج إلى معالجة شاملة، بما يحقق التوازن بين أعداد خريجي الكليات الصحية، واحتياجات سوق العمل، ومتطلبات المنشآت الطبية، وفي النهاية احتياجات المريض المصري.
مروة حلاوة ومنظومة الصحة.. ما المطلوب خلال الفترة المقبلة؟
يبقى التحدي الأساسي أمام منظومة الصحة هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستباقي، من خلال قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للقوى البشرية الصحية، وربطها باحتياجات كل محافظة وتخصص، مع وضع آليات واضحة وشفافة للتكليف والنيابات والتوزيع والانتقالات.
ومن شأن هذا النهج أن يساعد على تحقيق استفادة أكبر من الكوادر الطبية والصحية، وتقليل الفجوات بين أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل، إلى جانب دعم قدرة المنشآت الصحية على تقديم خدماتها للمواطنين بصورة أكثر كفاءة.
وتأتي تصريحات النائبة مروة حلاوة لتسلط الضوء مجددًا على ملف القوى البشرية داخل القطاع الصحي، وتطرح تساؤلًا أوسع حول كيفية بناء منظومة صحية تبدأ بالتخطيط السليم للتعليم والتدريب والتكليف، وتنتهي بوصول الطبيب إلى المكان الذي يحتاج إليه، ووصول الدواء والخدمة الطبية إلى المريض في الوقت المناسب.






















