في مصر، أصبح شراء “وحدة سكنية” أشبه بخوض مغامرة غير مأمونة العواقب. أن تبدأ رحلة البحث عن سكن، يعني أن تصطدم بواقع أسعار لا يمت للظروف الاقتصادية بصلة، ونتيجة مباشرة لغياب “السعر العادل”.
لماذا العقار “لغز”؟
في سوق الذهب، الجميع يعرف السعر اللحظي، والتاجر يربح والمشتري يطمئن. في العقار، الأمر مختلف تماماً؛ كل مطور أو مالك يضع سعره “بمزاجية” مطلقة، وكأننا في مزاد يومي لا تحكمه ضوابط. هذه العشوائية جعلت العقار “سلعة للمضاربة” لا “مأوى”، ودفعت الباحثين عن سكن للهروب خوفاً من التلاعب، مما أصاب السوق بركودٍ لا يخدم أحداً.
معضلة “المكسب السريع” مقابل “العدل”
نحن لا ننتقص من حق المطور أو صاحب العقار في الربح؛ فالتجارة حق. لكن هناك فرق شاسع بين “المكسب العادل” وبين “الجشع” الذي يفرضه غياب الرقابة. الأخطر هو “لعبة الضغوط”؛ فالمطور الملتزم الذي يتحمل أعباء الضرائب والرسوم والتشغيل، يجد نفسه في منافسة غير عادلة مع كيانات تمارس التهرب أو تكتفي بالمكسب السريع في الخفاء. النتيجة؟ الملتزم يخرج من السوق، والمشتري يغرق في أسعار خيالية، والدولة تفقد جزءاً من حقها في التنظيم.
استلهاماً من التجارب الناجحة
لماذا نصر على العشوائية بينما هناك نماذج ملهمة؟ في بريطانيا وفرنسا، توجد “أنظمة معلومات” تتيح للجميع معرفة أسعار الصفقات الحقيقية. هناك، العقار سلعة مفهومة وقابلة للتقييم، ولا مجال للأسعار الجزافية. هم طبقوا “الشفافية” فاستقر السوق، ونحن نطبق “الضبابية” فنتخبط في فوضى الأسعار.
نداء إلى صناع القرار.. المعادلة المفقودة
آن الأوان للتدخل لإنقاذ هذا القطاع الحيوي عبر “معادلة الكل رابح”:
بورصة عقارية رقمية: توثق الأسعار الفعلية وتنهي عصر “التسعير المزاجي”.
قيم استرشادية واقعية: ترفع الحرج عن الملتزمين، وتضمن حق الدولة الضريبي دون أن تدفع المشتري والمطور لـ “الطرق الملتوية”.
مؤشر سعري دوري: يوضح اتجاهات السوق، ليحمي المواطن من الفقاعات السعرية.
إننا لا نطالب بتسعير جبري، بل بـ “وضوح”. الشفافية هي الطريق الوحيد لإنهاء حالة الركود، ولضمان أن يصبح السكن حقاً ميسوراً، لا مخاطرة تلتهم مدخرات العمر. نحتاج سوقاً يشبه “سوق الذهب” في انضباطه؛ حيث الرقابة واضحة، والأسعار معلنة، والجميع يربح بإنصاف.


















