في الماضي، كانت الدراما والبرامج التلفزيونية تُبنى على ريتم هادئ يُعلم الصبر ويرسخ قيمة الكفاح؛ فنشاهد رحلة بناء حقيقية، ونعيش تفاصيل صعود الأسرة معاً خطوة بخطوة في أعمال سكنت وجداننا مثل “يوميات ونيس” و”لن أعيش في جلباب أبي”. أما اليوم، فنحن لا نواجه مجرد تغير في نوعية المحتوى المعروض، بل نمر بعملية “إعادة برمجة خطيرة لعقول الأطفال والشباب”، تقودها مقاطع “الريلز” القصيرة وثقافة الاستهلاك السريع.
1. كيف تُبرمج “الريلز” العقل على التفاهة وزوال الصبر؟
عقل الإنسان يتشكل بالعادة، وعندما يُعرّض الطفل لآلاف المقاطع التي لا تتجاوز ثواني معدودة، يتبرمج المخ على “السرعة المفرطة” وطلب اللذة اللحظية. وتتجلى الكارثة في نقطتين:
فقدان الصبر وطول النفس: لم يعد العقل يمتلك القدرة على الاستماع أو التعلم الصبور. حتى أثناء مشاهدة فيديو قصير، تجد الأيدي تتنقل لا شعورياً لتسريع المقطع لمعرفة النهاية في ثوانٍ.
الشعور الدائم بالملل: العقل المُبرمج على الإثارة المستمرة يعجز عن التعامل مع الحياة الطبيعية، فيشعر الطفل بالتململ من الدراسة، والجلسة الأسرية، وأي مجهود يتطلب وقتاً.
2. من “كيف نربي؟” إلى “ماذا نشتري؟”.. تفريغ العقول من المحتوى
تحول المحتوى الحالي من “صناعة الإنسان” إلى “تسقيع العقول للاستهلاك”؛ حيث غابت البرامج التي تتناول كيف نربي أبناءنا وكيف نواجه أزمات الحياة بشرف، وحل محلها استعراض يومي: ماذا نشتري؟ ماذا نأكل؟
أصبحت عقول الأطفال فارغة إلا من شحنة استهلاكية؛ يرى فيشتهي، ولا يفكر في تطوير ذاته، بل في كيفية الاقتناء.
وعندما يحاول الأب أو الأم التوعية بأن هذه مجرد إعلانات ومظاهر، يأتي الرد الصادم من الطفل: “طالما هي إعلانات، طب ما نعمل إحنا كمان محتوى وتحديات وناخد فلوس وهدايا زيّهم!”.. لقد تحول الفكر من العمل والاجتهاد إلى استسهال كشف الخصوصية للربح السريع.
3. المؤشر الخطر: عندما يقود الصبر المفقود إلى الكارثة
إن ما نراه اليوم من ارتفاع معدلات الجريمة، والحوادث اليومية، والاستسهال السريع للطلاق مع أول عقبة، هو النتيجة الطبيعية لغياب الصبر.
فالإنسان الذي لم يتعلم الصبر في صغره أمام شاشة، لن يصبر في كبره على شريك حياة، ولن يتحمل مشقة وظيفة أو ضغطاً نفسياً.
إذا استمر الوضع هكذا، فنحن نخسر “عصب المجتمع”؛ فلن نجد مستقبلاً الطبيب الصبور الذي يجري جراحة لسنوات، ولا المهندس الذي يبني بتأنٍ، ولا المعلم الذي يربي أجيالاً.
4. نداء عاجل: الإعلام والفن حصننا الأخير
إننا بحاجة إلى استغاثة فكرية وتربوية عاجلة؛ فلا يمكن إعفاء الإعلام والفن من دورهما القومي والتربوي:
محتاجون لدراما تشبه أصولنا وتناسب عصرنا؛ تعالج الواقع ولا تهرب منه، وتسترد قيمة الأسرة السوية، وتغرس حب المسؤولية والدين والكفاح.
محتاجون لإعلام يرفع وعي أولياء الأمور لكيفية فك سحر “البرمجة الرقمية” عن أبنائهم، وإعادة توجيه شغفهم نحو البناء الحقيقي لا المظاهر الخاوية.
إن معركتنا اليوم ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد استسلام العقول لها. إن لم نستعد دفء البيوت وقيمة التعب وسحر القدوة الحية، فإننا نسير بخطى سريعة نحو مجتمع مفرغ من قيم الحياة. والأمل يبدأ من أب وأم يدركون الخطر، ويقررون إعادة برمجة بيوتهم على الصبر والحب والمسؤولية.

















