بين طيات الذاكرة الوطنية، يبرز تاريخ 15 يونيو كعلامة فارقة، ففي مثل هذا اليوم من عام 1879، أشرقت شمس ميلاد “زعيم الكرامة” مصطفى النحاس باشا. لقد كان النحاس سدا منيعا في وجه الاستعمار، ورمزا لسيادة الشعب التي لا تقبل المساومة. واليوم، في ذكرى ميلاده، لا نستحضر مجرد تاريخ شخص، بل نستعيد صراعا وجوديا حول هوية مصر وحكمها، تلك المواجهة التي وضعت “الشرعية الدستورية” في كفة، و”تغييرات الواقع السياسي” في كفة أخرى
ويبرز الصراع التاريخي بين مصطفى النحاس باشا وجمال عبد الناصر كواحدة من أكثر الصفحات تعقيدا في مسار الدولة المصرية خلال القرن العشرين، فبينما كان النحاس يمثل رمزا شرعيا للزعامة الوطنية وتاريخا حافلا بتمثيل الإرادة الشعبية كرئيس لحزب الوفد، كانت حركة 23 يوليو تسعى لفرض واقع سياسي جديد يزيح القوى التقليدية. تعود جذور التباين إلى ما قبل الثورة، حين رفض النحاس في عام 1929 تدخل الجيش في السياسة، مفضلا بقاء المؤسسة العسكرية بعيدة عن الصراعات، وهو الموقف الذي استحضره محمد نجيب في مذكراته كدرس في الديمقراطية.
تغيرت موازين القوى بعد معاهدة عام 1936 التي وقعها النحاس، ورغم أنها لم تنه النفوذ البريطاني تماما، إلا أنها مكنت أبناء الطبقات الوسطى والدنيا من دخول الكلية الحربية، وهم الضباط أنفسهم الذين قادوا حركة عام 1952، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة الجحود السياسي الذي قوبل به النحاس لاحقا. عندما اندلعت الحركة كان النحاس في أوروبا، وقرر العودة فورا إلى القاهرة، والتقى بالضباط الأحرار في مقر القيادة العامة بكوبري القبة في 28 يوليو 1952، في اجتماع حمل آمالا بتعاون مشترك لم يكتب له الاستمرار طويلا.
تفاقمت الفجوة عندما أصرت قيادة الثورة على إلغاء الأحزاب وتشويه الحياة النيابية التي كان الوفد دعامتها الأساسية، حيث اعتبروا مصطفى النحاس عقبة أمام سيطرتهم المطلقة. لعب سليمان حافظ، نائب رئيس مجلس الدولة، دورا محوريا في تعميق هذه القطيعة، حيث صاغ قانون تنظيم الأحزاب الذي كان يهدف في جوهره إلى تصفية حزب الوفد وهدم مكانة النحاس. استجاب النحاس للقانون وتنحى عن رئاسة الحزب مكتفيا بالرئاسة الفخرية، لكن هذا التنازل لم يشفع له لدى الضباط الذين واصلوا استهدافه بمقصلة سياسية عرفت بقانون مصطفى النحاس في أبريل 1954.
وصل التضييق إلى حد فرض الإقامة الجبرية على النحاس في منزله، وشن حملات تشهير منظمة ضده وضد زوجته زينب الوكيل عبر وسائل الإعلام الحكومية، وصولا إلى محاكمة المقربين منه مثل إبراهيم فرج بتهم ملفقة. تدهورت الأوضاع المالية للزعيم التاريخي الذي عجز عن توفير نفقات دوائه، حتى اضطر لطلب معاش استثنائي من عبدالناصر ليحفظ كرامته في سنواته الأخيرة، وهو مشهد يختزل مأساة رجل أفنى عمره في خدمة البلاد لينهي أيامه محاصرا بالفقر والإجراءات القمعية.
رحل مصطفى النحاس في 23 أغسطس 1965، وشهدت جنازته تدفق ملايين المواطنين في مشهد عكس حب الشعب الذي لم تنله آلات الدعاية والتشهير. ورغم محاولات النظام طمس ذكرى الجنازة واعتقال المشاركين فيها، وتجنب عبدالناصر المواجهة المباشرة مع الوفديين في تلك اللحظة، إلا أن التاريخ سجل تلك الواقعة كإدانة لسياسات التهميش. حتى أغنية مصطفى يا مصطفى التي لاقت رواجا عالميا منعت من البث في مصر عام 1960، خشية أن تكون رمزا يحاكي شعبية النحاس، ليظل الصراع بين الباشا والضباط شاهدا على محطات مؤلمة في الذاكرة الوطنية المصرية.




















