تمر علينا اليوم ذكرى رحيل الفنان القدير يوسف داود لتعيد إلى الأذهان ملامح قامة إبداعية فريدة استطاعت أن تحفر اسماً من نور في تاريخ الكوميديا والدراما العربية وقد شكل الراحل حالة فنية خاصة؛ إذ تميز ببنيته الجسدية القوية، وصوته الجهوري الرنان وملامحه التي تكسوها الصرامة الجادة، غير أنه نجح بعبقرية ومكر فني شديد في تطويع تلك الجدية الظاهرية لتوليد مفارقات كوميدية صارخة ومواقف ضاحكة لا تزال ترسم البسمة على وجوه الملايين حتى يومنا هذا.
من أروقة الهندسة الكهربائية إلى بلاتوهات الفن
لم تكن المسيرة المهنية لـ “يوسف جرجس صليب” وهو الاسم الحقيقي للفنان يوسف داود تشير في بدايتها إلى عالم الأضواء؛ فقد ولد في عروس البحر الأبيض المتوسط، محافظة الإسكندرية، ودرس الهندسة بجامعتها ليتخرج في قسم الكهرباء.
وعقب تخرجه انخرط في العمل المهني الهندسي لسنوات طويلة تدرج خلالها في المناصب حتى شغل مقعداً قيادياً في شؤون المصانع بوزارة الصناعة ورغم أن ولعه بالتمثيل بدأ منذ نعومة أظفاره من خلال فرق الهواة إلا أنه آثر ألا يحترف الفن بشكل كامل إلا في مرحلة سنية متأخرة نسبيًا حيث اتخذ قرار التفرغ التام للتمثيل في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لتبدأ من هنا رحلته الفنية الاستثنائية.
ثنائية النجاح مع الزعيم والبروع في أدوار “المسؤول الحاد”
انطلق الفنان الراحل في الساحة الفنية بخطى ثابتة وقوية تاركاً بصمته في أكثر من 180 عملاً توزعت بين شاشات السينما والتلفزيون وخشبة المسرح وتعتبر الحقبة التي زامل فيها الزعيم عادل إمام من أخصب محطاته الفنية وأكثرها جماهيرية إذ شكلا معاً ثنائياً لافتاً في أعمال مسرحية شهيرة مثل «الواد سيد الشغال» و«الزعيم» إلى جانب كوكبة من الأفلام السينمائية الإيقونية مثل «كراكون في الشارع»، «النمر والأنثى»، «أمير الظلام»، و«مرجان أحمد مرجان». كما توهجت موهبته في الدراما التلفزيونية عبر مسلسلات ذات ثقل ملحوظ مثل «رأفت الهجان»، «يوميات ونيس»، و«تامر وشوقية».
وتجلت عبقرية يوسف داود في مقدرته الفريدة على تقمص أدوار النخب والقيادات الصارمة كشخصية اللواء العسكري مدير المدرسة الحازم، الطبيب، أو المسؤول الحكومي،ثم تفريغ هذا الوقار الرسمي في قالب كوميدي عفو وتلقائي يعتمد على المفارقة ومؤثرات الموقف البصري والسمعي.
شهادة وفاء.. قصة إنقاذ وموقف نبيل من عفاف شعيب
يحفظ التاريخ الفني للراحل الكثير من الوفاء والمواقف الإنسانية، لعل أبرزها ما رواه بنفسه في حوار تلفزيوني سابق مع الإعلامية صفاء أبو السعود في برنامجها الشهير «ساعة صفا» حيث حرص على توجيه تحية إجلال وشكر للفنانة القديرة عفاف شعيب، مسترجعاً موقفاً نبيلاً قامت به تجاهه في أصعب لحظات حياته.
وأوضح داود أن معرفته بالفنانة عفاف شعيب بدأت من خلال مشاركة سينمائية عابرة في مسلسل قديم حمل اسم «للعدالة وجه آخر» حيث ظهر في مشهدين فقط كفنان مبتدئ غير معروف وحظي حينها بكلمات تشجيع وثناء من الأستاذة عفاف وبعد مرور سنوات طويلة، وتحديداً في عام 2003، تعرض يوسف داود لوعكة صحية شديدة تمثلت في إصابته بفشل كلوي، مما استلزم إجراء جراحة عاجلة ومعقدة لزراعة كلى.
وتفاقمت الأزمة مع تزايد النفقات المالية الباهظة للعملية وتكاليف الرعاية اللاحقة، لدرجة جعلت الفنان يفكر في بيع سيارته ومصوغات زوجته لتأمين المبلغ المطلق في الموعد المحدد وقبل الجراحة بأربع وعشرين ساعة فقط تفاجأ باتصال هاتفي من الفنانة عفاف شعيب والتي تحدثت معه بجدية وإصرار شديدين عارضة التدخل الفوري لتغطية النفقات ومساعدته مالياً قائلة له بروح المواطنة الحقة: “نحن إخوة ولا مكان للخجل بيننا” ورغم محاولاته للاعتذار تعففاً، إلا أن مبادرتها الصادقة واهتمامها ومتابعتها له بباقات الورود والاتصالات الدورية تركت أثراً معنوياً ونفسياً لا يُمحى من ذاكرته وذاكرة عائلته مدى الحياة.
رحيل جسدي وأثر إبداعي خالد
غيب الموت الفنان القدير يوسف داود بعد رحلة طويلة من العطاء وصراع مرير مع المرض تاركاً الساحة الفنية محملة بقرابة عقدين من البهجة والضحكات النقية ورغم هذا الغياب الجسدي، إلا أن إرثه الفني يظل نابضاً بالحياة في وجدان الجمهور فبمجرد إطلالة وجهه على الشاشة يستحضر المشاهد فوراً مدرسة التلقائية والكوميديا الراقية التي برهنت على أن الموهبة الصادقة لا تطويها السنون بل تزداد قيمة ورسوخاً.
نرشح لك: الفنان حسين فهمي يستحضر ذكريات مسرحية الديكتاتورية أمام صدام حسين





















