شهدت العاصمة العراقية بغداد مواجهة فنية فريدة من نوعها قبل عقود، حيث تجسدت ملامح الجرأة المسرحية في أبهى صورها عندما وقف كبار نجوم الفن لتقديم عمل يمس جوهر السلطة. يعيد رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الفنان حسين فهمي، فتح دفاتر الماضي المثير، مسترجعا تفاصيل أدائه لعرض مسرحي يناقش قضية الديكتاتورية بشكل مباشر وصريح، ولم يكن الحضور عاديا، بل كان يجلس في مقدمة الصفوف الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بكامل هيبته وسلطته التنفذية والسياسية آنذاك.
تنقل الذاكرة الفنية تفاصيل تلك الليلة الاستثنائية التي حبست فيها الأنفاس وتحولت فيها خشبة المسرح إلى ساحة مكاشفة سياسية غير مسبوقة. يروي النجم الكبير مواقف تحبس الأنفاس عن ردود الأفعال الصامتة التي خيمت على القاعة بأكملها طوال مدة العرض، حيث سيطر الوجوم التام والخوف من إبداء أي تعبير قد يفسر على أنه إسقاط مباشر. أكد بطل العمل أن أحدا من الحضور والمسؤولين لم يجرؤ على الابتسام أو الضحك طوال فترة الأداء التمائيلي، خوفا من نظرات وبطش السلطة الحاكمة التي كانت تراقب كل حركة وسكنة بدقة فائقة.
كواليس صامتة في حضرة السلطة السياسية ببغداد
تكشف الرواية التاريخية للفنان حسين فهمي عن حجم الرعب والترقب الذي كان يعيشه النخبة والمسؤولون في تلك الحقبة السياسية الصعبة. شارك في هذا العمل الفني الجريء نخبة من ألمع النجوم، والذين شعروا بثقل المسؤولية والخطورة الناتجة عن تقديم نص يفكك آليات الحكم الديكتاتوري أمام رأس النظام نفسه. تجلت المفارقة الصارخة في أن الكوميديا والمواقف الساخرة المكتوبة في النص لم تنجح في انتزاع ضحكة واحدة من الجمهور الخائف، مما عكس بوضوح الأجواء المشحونة والقبضة الحديدية التي كانت تفرضها رئاسة الجمهورية في العراق.
مواجهة الفن والسياسة على خشبة المسرح العراقي
تستمر التداعيات التاريخية لهذا العرض في إثارة التساؤلات حول حدود حرية التعبير وقدرة الإبداع على اختراق الحواجز السياسية الشائكة. يعترف رئيس المهرجان بأن تلك التجربة تظل الأبرز والأكثر خطورة في مسيرته الطويلة، حيث وضع الفن وجها لوجه أمام واحدة من أشد السلطات صرامة في التاريخ العربي الحديث. لم تتضمن الكواليس أي تعديل في النص، بل تم تقديم الرسالة كاملة، لتظل تلك الليلة شاهدا حيا على قوة الكلمة وقدرتها على تعرية الواقع حتى في أصعب الظروف السياسية.





















