كنتُ في إحدى الحفلات للأطفال على أحد الشواطئ في مصر، وبينما كان الأطفال يرقصون ويلعبون، وتقام بينهم مسابقات للجري واللعب، كان أبنائي يشاركون ويلعبون هنا وهناك.
وإذا بي أرى أحد الآباء يحمل ابنه، الذي لم يتجاوز عمره العامين، ويتجه ليأخذ له هدية.
استغربت، فالمسابقة لم تنتهِ بعد، فاقتربت لأعرف لماذا أعطوا هذا الطفل هدية دونًا عن بقية الأطفال.
وإذا بي أفاجأ بأن هذا الطفل كفيف، وأنهم أعطوه الهدية نوعًا من إسعاده وإرضائه وإرضاء أبيه.
وكان أبوه يحمله ويلعب معه طوال الوقت، ثم انتقل به ونزل معه حمام السباحة، وهو في غاية السعادة، وفي غاية الإحساس بالمسؤولية الشديدة تجاهه.
هذا المشهد جعلني أولًا أحمد الله حمدًا شديدًا على كثير من نعمه، ثم جلست أفكر في هذا الأب…
يا ترى، ما الذي يفكر فيه الآن؟
يا ترى، كم حجم الحمل والهم الذي بداخله، ولا نرى على وجهه سوى الابتسامة؟
دائمًا وأبدًا نشكر ونعظم دور الأمهات.
ومما لا شك فيه أنها تبذل مجهودًا وتضحيات من أجل أبنائها طيلة عمرهم، من لحظة الحمل إلى أن يكبروا.
ولكن من عظمة الآباء أنهم دائمًا يكونون في الظل، ولا ينتظرون كلمة شكر واحدة من أبنائهم.
ولأن الآباء رجال، فإن الرجال في الأغلب لا يعبرون عن مشاعرهم بسهولة، ولا يتكلمون كثيرًا مثل النساء. يأخذون قراراتهم بعقلهم، لا بقلبهم، فيظن البعض أنهم غلاظ القلب، ولكن الحقيقة أنهم أرقّاء القلب جدًا، ويخافون على أبنائهم أكثر مما يتخيل أي ابن.
ولا أحد في العالم يتمنى أن يكون هذا الابن أحسن وأنجح منه إلا أبيه.
في هذه الأيام، وأنا أذاكر وأربي وأعلم أبنائي الكثير من الأشياء، سواء في الرياضة أو العلم أو الثقافة أو التربية، كلما نطقت لهم بكلمة، أو حكيت لهم قصة، أتذكر أبي وأقول:
رحمة الله عليك يا أبي…
لم أعلم مدى اهتمامك وحرصك على نجاحنا إلا بعد رحيلك.
أدركت الآن مدى سعادتك عندما كنا ننجح، وأدركت أهمية كل ما كنت تعلمنا إياه من علم وثقافة وأخلاق.
لم أدرك أهمية هذه الأشياء إلا الآن، عندما أصبح لديّ أبناء.
ولن يدرك أي شاب مدى اهتمام وحب أبيه له الآن.
ليس أبي وحده هو من ينفرد بهذه الصفات، ولكن معظم الآباء يحملون لأبنائهم حبًا عميقًا.
فالأب كالشمس، لا ندرك أهميتها إلا بعد أن تغيب.
يظل الابن في بطن أمه تسعة أشهر، ويظل الابن في عقل أبيه طوال العمر.
لا أقلل من دور الأم، ولكنني أشعر بشغف لأن أتحدث عن الآباء هذه المرة، لأنهم لا يجيدون التعبير عن أنفسهم.
هذه العبارات لكل من لا يعرف، أو يجادل، أو يتفاوض، أو ينكر حب أبيه له.
إنه أبي…
رحمة الله عليك، وعلى كل آبائنا الأموات.
وتحية تقدير لكل الآباء الذين يكافحون ويعيشون في الظل من أجل أبنائهم.
ولكل ابن…
إذا قال لك أبيك يومًا ما:
«أريدك أن تجلس معي، أو تخرج معي، لنتحدث قليلًا»…
فلا تتردد في تحقيق ما يريد.
فإنه الآن موجود…
وإنك غدًا لن تراه.





















