ونحن على مشارف الانتخابات الرئاسية،
تم فتح المجال العام تدريجيًا أمام الأحزاب السياسية، الأمر الذي كنا ننتظره طيلة سنوات الصمت الماضية خوفًا من التنكيل بالمعارضين.
وفي هذه الأثناء، طرح الشاب أحمد طنطاوي النائب البرلماني السابق نفسه مرشحّا للرئاسة بعد عودته من الخارج كبديل انتقالي لسلطة مدنية تحكم البلاد وتخرج بها من أزماتها.
كان في اعتقادي أن القوى المدنية في هذه المرة ستلتف حول الرجل وتعاونه على الهدف الأسمى ألا وهو الخلاص من السلطة التي أودت بالبلاد إلى دمار اقتصادي وسياسي واجتماعي فاحش مهما كانت الاختلافات الأيدلوچية والسياسية بينهم.
مع العلم أني لم أكن يومًا من أنصار الطنطاوي وأختلف معه في الكثير من الأمور، بل أختلف معه أيدلوچيًا ولكنه البديل الأوحد الذي طُرح في الوقت الذي لم نسمع فيه أصواتا للآخرين، وفي الوقت الذي نحتاج فيه لمثل هذا الخطاب بل وفي هذه الحالة الإقتصادية المزرية.
ولكن للأسف الشديد بين ليلة وضحاها فوجئنا جميعًا بعددٍ من المرشحين المحسوبين على التيار المدني والمعارضة المصرية، بدلًا من أن يتفقوا على دعم مرشح المعارضة.
وإذ فجأة تتوقف بي آلة الزمن لتعود بي إلى الخلف عدة سنوات ليدور الشريط المؤلم أمام عيني، رأيت مشاهد واضحة قد عشتها بنفسي لصراعات النخب السياسية منذ تأسيس حركة كفاية نهاية عام 2004 وحتى الآن، دون أدنى اعتبار للمسئولية التي وضعت على عاتقهم، دون الإلتفات للصراع اليومي لملايين الفقراء وذوي الدخل المحدود مع الحياة، وسط غياب صوتهم عن المشهد المحتقن.
وفي خضم هذه الأزمات، لم يتطرق أي من فرقاء السياسة إلى الضرر الذي أصاب هؤلاء في أرزاقهم، لتصبح المعارضة المصرية مكمل واضح للنظام الحاكم يتم استخدامها وقتما يشاء النظام حسب أهوائه لإرسال رسائله إلى المجتمع الدولي.
وفي الحقيقة أن مايحدث قد أصابني بإعياء نفسي شديد، فقد أصبحت متيقنًا تمامًا بأن خيبتنا في نخبتنا وأن المعارضة قد تم استئناسها بشكل مبالغ فيه على عكس ما كان.
الحقيقة أن النخبة السياسية كان يجب عليها أن تصبح أكثر فطنة مما هي عليه الآن وكان عليهم أن يتعلموا من أخطاء الماضي، وعليهم أن يخجلوا من أنفسهم حينما يتذكروا أن هناك شباب يدفعون ثمن أخطاء نخبتهم خلف قضبان السجون، شباب ضاعت أحلامهم هاربين بين دولة وأخرى يعبرون الحدود رافعين أرواحهم على أكفهم خوفًا من الانتقام السياسي.
المسئولية هنا لا تقع على النظام وحده، لأنه دائمًا وأبدًا المعارضة هي التي تضبط رمانة الميزان ويحدث من خلال تواجدها على أرض الواقع توازن حقيقي.
لقد كانت نخبة ما قبل 1952 تمثل القاطرة التي تقود وتوجه الشعب، ولكنها بعد ذلك سايرت السلطة القائمة، وقليل منها أخذ مواقف مشرفة بصرف النظر عن العواقب.
ولقد أصبحت أهم مشكلات النخبة المصرية البحث دائماً عن الزعامة ضاربين بعرض الحائط دورهم الحقيقي، بأن تنتقد وتعترض وتراقب عمل الحكومة وتستجوب رئيس الوزراء والوزراء في اي شأن من شؤون المجتمع والدولة وفق آليات دستورية وقانونية وتقديم المقترحات والبدائل لتصحيح الخطأ والخلل.
ولكن ما يلاحظ اليوم هو تركيز النخب على تقنص أخطاء بعضهم، وتحين الفرص لمهاجمة أي رأي يخالفهم، في ظل غياب أبسط قواعد الإنفتاح والتفهم، كيف يمكن لهؤلاء تفهم هموم أمتهم والبحث معا عن الحلول؟.
فاليوم مزقت الفزاعات الداعم لها إعلام الدولة، تشتت الجميع، مما زادنا تفرقة ورفضًا لبعضنا البعض.
لقد تجاوز الخطر الأشخاص وما يحملون وتجاوز المكان والزمان، والنخبة تعمل بسياسة الفعل ورد الفعل، متربصون ببعضهم البعض يتبادلون إلقاء تهم مخزية في زمن غابت فيه الحكمة والعقل والحياء وليس خافيًا عن أحد الأزمة الحالية بين هشام قاسم والوزير السابق كمال أبو عيطة التي كشفت الخلافات الفجة بين رفاق الوطن.
الحقيقة أن النظام الآن يتبني نهج “فرق تسد”، متناسيًا أن هذا النهج يكشف ضعفه وقلة حيلته بهذه الحيلة الهزيلة.
فالنظام القوي يواجه، ويتفنن في طرق القيادة، والرقابة، والإشراف، والتحفيز، والدعم والمساندة، بل ويتبنى أساليب ذكية لإيصال ما يرمي إليه من دون صدامات أو مواجهات أو اتهامات غير حقيقية للمعارضين والتجارب كثيرة في دول كبيرة حققت نجاحات على أرض الواقع.
إن أزمتنا الحقيقية الآن هي أن المعارضة يجب أن تكون نبض الشارع، وما يحدث على الساحة الآن هو قتل لأحلام البسطاء وتفتيت للأصوات، والمستفيد الوحيد هو النظام الذي مازال موجودًا في السلطة.
ومازالت أمامنا الفرصة مفتوحة قبل أن نندم، وعلينا تخطي الذات والإنفتاح على الآخر وقبول الاختلاف، وقبول التغيرات، والتمتع بمرونة التعامل معها هي بداية الحل للخروج من الأحقاد والكراهية التي أودت بنا لما نحن فيه، والأخطار المقبلة أكبر وأخطر إذا لم نتغير روحاً وعقلاً وعملاً ونراجع كل ما نقوم به قبل أن لاينفع الندم.



















