مع إعلان مصر عن استهداف خفض الدين أجهزة الموازنة إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2027، ضمن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026-2027 الذي أقره مجلس الوزراء، بدأ الكثيرون يتساءلون عن تداعيات هذا القرار على الاقتصاد المصري.
وهل يمثل هذا المستوى حدًا آمنًا للاقتصاد المصري؟ وهل سيتم تحقيقه عن طريق زيادة الإيرادات أم ترشيد الإنفاق؟ وما أبرز التحديات التي قد تواجه الحكومة للوصول إلى هذا الهدف بحلول 2027؟
الأهم من نسبة الدين هو خدمته
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي محمد أنيس أن أي دولة تتمنى ألا يكون عليها ديون على الإطلاق، أو إذا كان لديها ديون فأن تكون آمنة، وفي الواقع نسبة الديون الآمنة تختلف حسب ظروف كل دولة وطبيعة اقتصادها ومدخلات الإنتاج لديها.
وأكد أنيس خلال تصريحاته الخاصة مع موقع الحرية أن الأهم من نسبة إجمالي الدين إلى الناتج القومي هو قدرة الدولة على خدمة الدين فهناك دول نسبة دينها 100% لكنها قادرة على سداده بسهولة، بينما دول أخرى نسبة دينها 50% لكنها غير قادرة على دفع ديونها حتى بهذه النسبة وبالتالي التركيز يجب أن يكون على قدرة الدولة على خدمة الدين وليس فقط على حجمه الإجمالي.
قدرة مصر على خدمة الدين
أوضح أنيس أن قدرة مصر على خدمة الدين ضعيفة، خصوصًا الدين الأجنبي، بسبب مشاكل التدفقات الدولارية المستمرة وعجز الميزان التجاري، حيث تستورد مصر أكثر مما تصدر.
لذلك، خدمة الدين الخارجي عندما تكون كبيرة تصبح مشكلة حقيقية، ولهذا السبب تحاول الدولة تقليل نسبة الدين لتقليل عبء خدمة الدين، وخاصة خدمة الدين الخارجي.
استهداف نسبة 78%
أكد أنيس أن الهدف هو الوصول إلى نسبة دين حوالي 78% من الناتج القومي، ووصف ذلك بالأمر الجيد، لأن مصر حالياً فوق 90% من الناتج القومي، وبالتالي خفض إجمالي الدين بحد ذاته مفيد، لكن الأهم أنه يقلل خدمة الدين، خاصة خدمة الدين الخارجي.
زيادة الإيرادات وليس ترشيد الإنفاق
أكد أنيس قاطعًا أن خفض الدين سيكون من خلال زيادة الإيرادات، لأن قدرة مصر على ما يسمى بترشيد الإنفاق محدودة جدًا فالمرونة في الإنفاق ضعيفة للغاية، خصوصًا في الموازنة العامة التي تتضمن أجورًا لا يمكن تقليلها، وخدمة دين، ومستلزمات إنتاج ومدخلات إنتاج.
وأوضح أن قدرة مصر على تقليل الاستيراد محدودة جدًا، لأن معظم الاستيراد عبارة عن مدخلات إنتاج، وبذلك فإن القدرة على تقليل الإنفاق في الموازنة العامة محدودة جدًا، والمرونة لا تتعدى 1 أو 2 أو 3% كحد أقصى، لذلك قال أن موضوع ترشيد الإنفاق غير مجدي على الإطلاق، والتركيز المهم يجب أن يكون على زيادة الإيرادات.
زيادة الإيرادات دون ضرائب إضافية
أوضح أنيس أن زيادة الإيرادات لن تكون من خلال فرض ضرائب إضافية على المواطنين، حيث أن مصر وصلت حاليًا إلى الحد الأقصى لنسب الضرائب الآمنة.
ضم الاقتصاد غير الرسمي
أشار أنيس إلى أن زيادة الإيرادات يمكن أن تحدث من خلال ضم الاقتصاد الرسمي للاقتصاد غير الرسمي عبر التحول الرقمي والشمول المالي، حيث الاقتصاد غير الرسمي يمثل نسبة تتراوح بين 30 و40 وحتى 50% من الاقتصاد المصري.
فعندما يتم ضم الاقتصاد غير الرسمي، فإن الأموال النقدية التي كانت خارج البنوك تُدخل إلى النظام البنكي، ويضطر من لديه أموال كاش إلى استخراج تراخيص رسمية، ويصبح كل شيء أونلاين وسهل بدون فساد إداري.
فوائد ضم الاقتصاد غير الرسمي على الدين
أوضح أنيس أن ضم الاقتصاد غير الرسمي له ميزتين: أولاً زيادة الإيرادات، وثانياً تقليل نسبة الدين، لأن نسبة الدين تحسب بالنسبة للناتج القومي، وعندما يكبر حجم الاقتصاد، تقل نسبة الدين وتصبح أكثر أمانًا.
التحديات والطموح
أوضح أنيس أن خفض نسبة الدين إلى 78% هدف طموح، خصوصًا أننا حاليًا عند حوالي 84% وكنا وصلنا إلى 90% قبل البرنامج الأخير لصندوق النقد الدولي.
وقال إن هذا الهدف قابل للتحقيق من خلال تسريع التحول الرقمي والشمول المالي، ما يزيد من حجم الاقتصاد ويقلل نسبة الديون لكن هناك تحديات إضافية، منها تأثير الحرب على إيران، التي ستزيد تكلفة الاقتراض والإنفاق الحكومي على المحروقات، وتزيد الضغوط على الحكومة لزيادة الديون بدل خفضها.
عندما ترتفع أسعار المحروقات عالميًا، ستضطر الحكومة إلى رفع الأسعار محليًا، ولن تغطي الزيادات بالكامل، وسيؤدي جزء من ارتفاع أسعار النفط إلى ديون إضافية من خلال زيادة الدعم، واختتم أنيس بأن النسبة المستهدفة طموحة لكنها قابلة للتحقيق بشكل عام.






















