تعيش القاهرة دائمًا، حالة أشبه بالـ”كزموبوليتانيه”، شأن الأسكندرية، خلال عشرينيات وثلاثينيات وحتى بداية خمسينيات القرن الماضي، تستوعب العديد من جنسيات، وتحوي ثقافات مختلفة؛ في رحابة وتناغم رائعين يضفيان ثراء ثقافيًّا وإنسانيًّا، تنفرد به العاصمة المصرية.
وفي زمن سابق، تألقت الأسكندرية انفتاحًا على ثقافات أوروبية متعددة؛ إذ كانت المدينة تعج باليوناني والإيطالي والإنجليزي والفرنسي، والقاهرة 2023، بعد قرابة قرن اكتظت فيه بكل مظاهر الثراء والفخامة، منذ عشرينيات القرن الماضي، ها هي الآن بعد اندلاع الربيع تصبح مركز إيواء، وحضانة حضارية؛ لكن بطابع عربي في المقام الأول؛ إذ إنها تضم الآن، جنبًا إلى جنب المواطن المصري، آخر سوري ولبناني وسوداني وليبي، على حد سواء.
وتاريخيًّا.. بدء ثراء القاهرة، والذي كون جزءًا أصيلًا من طابعها الحالي، مع محمد علي والخديوي إسماعيل، الذين اهتما بمنح امتيازات ومشاريع تجارية للأجانب، ما عزز تواجدهم، مع مد لا ينقطع أبدًا عنها حتى اللحظة.
مدينة التناقضات
ويقول زيزو عبده، مؤسس مبادرة سيرة القاهرة، في حديث خاص لـ “الحرية”: “لا يمكن تناول تاريخ القاهرة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي من زاوية واحدة، فهي قاهرة الثراء التجاري والمادي لجنسيات متعددة من الأجانب، بطراز عمراني فخم، وهي قاهرة الطبقات الأخرى في المجتمع الأكثر فقرًا، فالنظرة يجب أن تشمل هذا وذاك، كذا هي سيرة القاهرة”.
وأضاف: “يجب أن تطرح الصورة كاملة، فالقاهرة مدينة التناقضات؛ أنت تستطيع أن ترى شوارع فقيرة على بعد أمتار من الحياة الخديوية”.
القاهرة- كزموبوليتانيا
ويضيف: “من عصر محمد على، مرورا بالخديوي إسماعيل والملك فؤاد، والقاهرة مدينة كزموبوليتانيه، بمعنى أنها تزخر بجنسيات عديدة بثقافاتها ولغاتها، إلا أن “الأجانب” ذهبوا إلى المهن، وغلب عليهم العمل التجاري، عكس المصريين أبناء البلد كانوا وقتها مرتبطين بالفلاحة”.
ثراء المدينة
واستكمل عبده: “بدء ثراء القاهرة، مع محمد علي والخديوي إسماعيل، الذين اهتما بمنح امتيازات ومشاريع تجارية للأجانب، في ذات الوقت لم يطرح، مجرد طرح، أي اهتمام لفتح هذا المجال أمام المصريين، وطوال هذه المدة التي عاشها القاهريون، بدأ الأجانب في تكون حياتهم المستقرة، الأسرة والمشاريع معًا، وانخرطوا في التجارة إلى أن اندمجوا مع المصريين، فتعلم أولاد البلد التجارة والعمل في المصانع والمحلات الشهيرة، وحدث نوع من التبادل المعرفي والثقافي بين المصريين والجاليات الأجنبية المتعددة، خاصة في القاهرة، العاصمة التي اتخذت المدينة، خلال تلك الفترة”.
حي الأجانب
ويوضح “عبده” طبيعة وسط البلد، في هذه الفترة فيقول: “الموسكي والعتبة والأزبكية، كانت أحياء الأجانب والأثرياء من المصريين ورجال السياسة حتي ثورة 1952، إلا أنه كانت هناك قاهرة أخرى في وسط البلد من الدرب الأحمر والسيدة زينب وحتى الجمالية، كانت تسمى “أولاد البلد”؛ ومنها انطلقت الحركات التحررية والوطنية وحركات المقاومة، ضد الاحتلال الإنجليزي آنذاك”.
بلد التحولات
وأشار مؤسس مبادرة سيرة القاهرة، إلى أهم ما يميز هذه الفترة، مع انفتاح المصريين على ثقافات عديدة، وهو تحول الشعب، وخاصة سكان القاهرة إلى المناداة بتعليم المرأة وخروج الفتيات في الحركات الوطنية والوصول للتعليم الجامعي، وظهور عالم الموضة في الأزياء، مختتمًا أن القاهرة يمكن أن يطلق عليها بلد التحولات، لأنها دائمًا ما ترتبط بأحداث كبرى، مثل الاستعمار، إضافة إلى الحركات التحررية طوال تاريخها الحديث.






















