بينما يحذر وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، من تعرض الكيان الصهيوني لهزيمة استراتيجية في غزة جراء استمرار استهدافه المدنيين من الشعب الفلسطيني، كانت وزارة العدوان الصهيوني تعلن قبل أيام عن وصول طائرة الشحن الأمريكية رقم 200 محملة بمساعدة عسكرية من الولايات المتحدة، تضاف إلى أكثر من 10 آلاف طن مساعدات عسكرية أمريكية منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى المجيدة، في تأكيد أنه عدوان مشترك على غزة، لا يخفى مشاعر خوف من احتمالية حدوث هزيمة جديدة لـ«إسرايكا» ذلك التحالف المشين بين «الاحتلال الإسرائيلي» وأمريكا.
في عام 1964، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية فيتنام بمنطق الجيش الذي لا يقهر، ولكنها خرجت في يناير 1973، تجر أذيال الخيبة والهزيمة، بعد أن فقدت 58 ألف شخص قتلوا في ذلك العدوان، بجانب خسائر مادية كبيرة تمثلت في 738 مليار دولار، ما خلف صدمة طويلة الأمد في الداخل الأمريكي، وكانت وصمة عار على الجيش الأمريكي، بإجماع المراقبين.
يقول المؤرخ الأمريكي فيليب ديفيدسون «1915 – 1996» كأنه يتحدث عن غزة اليوم : «طوال الحرب، لم تفكر الولايات المتحدة كثيرا في العواقب السياسية والاقتصادية والنفسية لعملياتها العسكرية، لم يأبه أحد لمقتل المدنيين، والدمار غير الضروري، ومع ذلك فقد أدى كلاهما إلى تأثير سياسي سلبي».
وبحسب تقدير موقف نشره مؤخرا، موقع روسيا اليوم، فإن السبب الأول للهزيمة الأمريكية في فيتنام أنهم فشلوا في كسر إرادة الفيتناميين وإخضاعهم، كما فشلت سياسة الأرض المحروقة التي أسقطت خلالها الطائرات الأمريكية 6.7 مليون طن من القنابل على فيتنام، من «إرجاع الفيتناميين إلى العصر الحجري»، و بالمناسبة تلك هي ذات التسمية التي استخدمها رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو في مطلع معركة «طوفان الأقصى» ضد قطاع غزة، وهي نفسها الجملة التي قالها وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر قبل حرب العراق.
السبب الإضافي للهزيمة الأمريكية بحسب التقرير هو، صمود الشعب والمقاومة معا في خندق التحرير، واضعين أمامهم، بحزم، مقولة للزعيم الصيني «ماو تسي تونج» التي تقول: «الشعب بالنسبة للمقاتلين مثل الماء للأسماك: أزل الماء ستموت الأسماك»، بجانب أسباب أخرى أذكر منها: الاحتجاجات الواسعة ضد الحرب ومزاج المجتمع الأمريكي الكاره لتلك الحرب والمساعدات العسكرية المتواصلة من أصدقاء فيتنام.
الهزيمة الأمريكية نفسها انتقلت من فيتنام إلى أفغانستان، ففي 7 أكتوبر 2001، أعلن جورج بوش الابن بدء الحرب على أفغانستان، وفي عام 2021، أعلن جون بايدن الهزيمة وفشل العدوان وسحب القوات، وهو ما يعتبره المحلل المتخصص في الشأن الأمريكي محمد المنشاوي، في مقال سابق له، عدم استيعاب من النخبة الأمريكية دروس الهزيمة في فيتنام.
وتلقي الكيان الصهيوني، رغم الرعاية الأمريكية المفرطة، هزائم ثقيلة في المنطقة، على يد أبطال الجيش المصري في انتصار السادس من أكتوبر العاشر من رمضان المجيد في عام 1973، وكذلك تجرع الكيان هزيمة مريرة، على يد المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله، في 25 مايو 2000، ولا ينسى الكيان اللقيط مشاهد انسحابه الذليلة من غزة في عام 2005، في هزيمة جزئية مهمة بعد بسالة المقاومة الفلسطينية، بقيادة «حماس».
منذ اليوم الأول لمعركة 7 أكتوبر المجيدة، وبنيامين نتنياهو، مغرور بدعم أمريكا المفرط، ويعلن الأوهام تلو الأوهام، ولم يحقق شيئا منهم إلا زيادة جرائم الإبادة الجماعية التي تحرج البيت الأبيض، ثم انصاع مذلولًا لشروط الهدنة المؤقتة التي تمسكت بها المقاومة الفلسطينية وقدمت فيها انتصارات أخلاقية إنسانية ميدانية عظيمة، وها نحن نمضي في أيام شهر ديسمبر والمقاومة تواصل انتصارها المعنوي والأخلاقي وبسالتها وثباتها ودفاعها عن أرضها وسط دعم شعبي «فلسطيني -عربي -إسلامي -عالمي»، بينما استطلاعات الرأي والخلافات الداخلية الصهيونية وأسر الأسرى يكتبون معا نهاية «نتنياهو»، قبل أن يواصل استكمال جرائمه وسياسات الأرض المحروقة.
لقد انتهت الحرب العالمية الأولى، في نوفمبر 1918، بعد قتال دام 4 سنوات، وتسبب في سقوط ما يزيد عن 40 مليون ضحية بين قتيل وجريح، كما انتهت الحرب العالمية الثانية في أغسطس 1945 بعد أن حصدت أرواح ما بين 60 و70 مليون شخص أثناء الحرب منهم ما يقرب من 50 مليون مدنى والباقي من العسكريين، لأن لكل بداية نهاية مهما تأخرت، ولن ينفع «نتنياهو» مد أمد الحرب وزيادة عدد المحارق النازية في غزة، فالمحارق أشعلت الثأر والهزيمة مصير كل من سار على درب «هتلر»، والمحاكمات التي تنتظر «هتلر الثاني» في الداخل والخارج كثيرة.
تقول فرنسيسكا أكسوس، الناشطة الحقوقية الأمريكية في فيديو حديث مترجم ومتداول على وسائل التواصل الاجتماعي: «الاحتلال سيبقى الخاسر حتى لو نجح بتطهير الشعب الفلسطيني عرقيا لأننا لن ننسى هذه الحرب ولن نسمح له بأن يكون ضحية في هذه القصة فالجرائم لا تسقط بالتقادم».
في 6 ديسمبر الجاري وجه الكاتب سايمون تسدول في صحيفة الجارديان البريطانية للرئيس الأمريكي، جو بايدن، رسالة مهمة وعاقلة، تطالبه بضرورة تصحيح المسار قبل فوات الأوان، قائلا : «إن الهجوم على غزة لا يضر فقط بالمصالح الأمريكية والغربية، بل يهدد بزعزعة استقرار الشرق الأوسط برمته أكثر».
مجمل القول، أننا كأصحاب قضية عادلة رابحة، هي القضية الفلسطينية، يجب أن نقرأ جيدا تواريخ هزائم «بيت العنكبوت» وأسبابها ، وأن نستعيد التدبر في نهايات تلك الحروب التي انكسر فيها هؤلاء القتلة المتورطين في جرائم إبادة جماعية، الذين لا يبالون بجرائمهم ولا يستذكرون هزائمهم، لنعرف متي ينتهي العدوان على غزة وكيف نحفز مسارات الدعم والمساندة دون كلل أو يأس حتى التحرير الكامل؟





















