عشت في ولاية ميشيجان ، طالب دكتوراه في جامعة “وين ستيت” سنتان عام ١٩٧٩ ، وتابعت الحركة السياسية الأمريكيه في انتخابات ” كارتر” و “ريجان” بعد الثورة الإيرانية ، و قد تكون جذور اهتماماتي السياسيه الدولية نابعة من هذا الوقت.
تابعت باهتمام فوز الطبيب والسياسي الأمريكي من أصل مصري عبد الرحمن السيد في انتخابات مجلس الشيوخ بولاية ميشيجان، ولاحظت أن كثيرين في منطقتنا تعاملوا مع الخبر وكأنه أصبح بالفعل عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي.
وهذا غير صحيح.
ما فاز به عبد الرحمن السيد في 4 أغسطس 2026 هو الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي Democratic Primary، أي أنه أصبح مرشح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان.
أما الانتخابات الحقيقية على المقعد نفسه فستجري في نوفمبر، عندما يواجه المرشح الجمهوري مايك روجرز.
والفارق مهم جدًا؛ لأن الانتخابات التمهيدية تجيب عن سؤال:
من سيمثل الحزب الديمقراطي؟
أما انتخابات نوفمبر فتجيب عن السؤال الأهم:
من سيمثل ولاية ميشيجان في مجلس الشيوخ الأمريكي؟
(ولا اعتقد ان المواطن المصري يعرف الفارق بين الحزبيين)
وفوز السيد بالمرحلة الأولى مهم، لكنه ليس نهاية الطريق. بل ربما تبدأ المعركة الأصعب الآن. (apnews.com)
لماذا أثار فوزه كل هذه الضجة؟
لأن عبد الرحمن السيد لا يمثل التيار التقليدي داخل الحزب الديمقراطي.
الحزب الديمقراطي الأمريكي ليس كتلة سياسية واحدة كما قد يبدو لنا من الخارج.
في داخله جناح وسطي قوي، يضم سياسيين قريبين من المؤسسة التقليدية، وقطاع الأعمال، وكبار الممولين، ويرى أن الطريق للفوز بالانتخابات يمر عبر اجتذاب الناخب المعتدل والمستقل وعدم التحرك بعيدًا إلى اليسار.
يمكن القول إن بيل كلينتون هو النموذج الأوضح للجناح الوسطي القوي داخل الحزب، أي ما يُعرف غالبًا بـ Third Way Democrats.
إذ يُنظر إلى كلينتون باعتباره رمزًا لما يسمى الديمقراطيين الجدد (New Democrats)، وهو التيار الذي أعاد صياغة الحزب ليكون أكثر قبولًا لدى الطبقة الوسطى والناخبين المستقلين، وأقل ارتباطًا بالخطاب اليساري التقليدي.
وبعده، استمر هذا النهج بدرجات مختلفة مع باراك أوباما، الذي جمع بين خطاب تقدمي اجتماعي وسياسات عملية تميل إلى الوسط، خصوصًا في طريقة إدارة الاقتصاد والتعامل مع المؤسسات المالية بعد أزمة 2008.
أما في المقابل، فإن رؤساء مثل جيمي كارتر أو ليندون جونسون كانوا أقرب إلى أنماط مختلفة من الليبرالية الديمقراطية، لكنهم لم يمثلوا “الوسطيين الجدد” بالمعنى الذي أصبح واضحًا منذ التسعينيات.
أبرز ملامح هذا التوجه في عهده:
● دعم اتفاقيات التجارة الحرة مثل NAFTA
● إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية باتجاه تقليص الاعتماد على الدولة
● سياسات مالية منضبطة وتقليص العجز
● خطاب اقتصادي قريب من السوق مع تنظيم محدود نسبيًا
ويقابل ذلك التوجه تيار تقدمي، أصبح أكثر قوة منذ حملات بيرني ساندرز، ويضم شخصيات مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، ويرى أن الحزب أصبح شديد الحذر، وشديد الارتباط بكبار الممولين، وأن عليه أن يتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن تفاوت الثروة، والرعاية الصحية، والإسكان، والاحتكارات، وأجور الطبقة الوسطى.
عبد الرحمن السيد قريب من هذا التيار الثاني.
ولهذا لم تكن الانتخابات بين شخصين فقط.
كانت إلى حد كبير مواجهة بين رؤيتين لمستقبل الحزب الديمقراطي.
هل أصبح الحزب الديمقراطي اشتراكيًا؟
لا.
وهنا أيضًا يجب تجنب التبسيط.
هناك داخل الحزب تيار يسمى الاشتراكية الديمقراطية Democratic Socialism، لكن الحزب الديمقراطي الأمريكي نفسه ليس حزبًا اشتراكيًا.
بل إن كلمة «اشتراكي» ما زالت تثير تحفظًا لدى قطاع مهم من الناخب الأمريكي.
استطلاع حديث لرويترز/إبسوس أظهر مفارقة مثيرة: كثير من المستقلين يؤيدون سياسات تقدمية مثل زيادة الضرائب على الأثرياء وتوسيع الرعاية الصحية الحكومية، لكنهم يصبحون أكثر تحفظًا عندما توضع عليها تسمية «الاشتراكية الديمقراطية». (Reuters)
أي أن الناخب قد يقول:
أنا أريد ضرائب أعلى على المليارديرات.
وأريد تأمينًا صحيًا للجميع.
لكن لا تسمّني اشتراكيًا.
وهذه إحدى مفارقات السياسة الأمريكية.
ماذا يريد عبد الرحمن السيد؟
استطاع “السيد” أن يبسط رسالته بصورة ذكية.
حديثه الأساسي كان يدور حول ثلاثة أشياء:
تقليل نفوذ المال الكبير في السياسة، وتحسين الوضع الاقتصادي للأسرة العادية، وتوفير الرعاية الصحية بصورة أوسع.
وهو يقدم نفسه باعتباره منتقدًا للرأسمالية التي تسمح بالاحتكار وتمركز الثروة، وليس باعتباره خصمًا لمبدأ السوق نفسه.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الجمهوريين سيحاولون خلال الأشهر المقبلة تصويره باعتباره ممثلًا لـ«الاشتراكية المتطرفة»، بينما سيحاول هو أن يجعل الانتخابات تدور حول تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والنفوذ الذي يشتريه المال في السياسة.
وهنا تدخل إسرائيل إلى القصة
ربما كان أكثر عناصر هذه الانتخابات حساسية هو موقف “السيد” من إسرائيل.
والتمييز هنا ضروري بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما يتم خلطها عمدًا أو بغير عمد:
اليهود، ودولة إسرائيل، وحكومة إسرائيل.
انتقاد سياسة حكومة إسرائيل ليس في ذاته عداءً لليهود.
وفي الوقت نفسه، فإن معاداة السامية أصبحت حقيقة تاريخية وسياسية خطيرة، ولا يجوز أن تصبح القضية الفلسطينية غطاءً لها.
“عبد الرحمن السيد” حاول أن يرسم هذا الخط بوضوح. فهو ينتقد بشدة الحكومة الإسرائيلية وسياساتها تجاه الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يقول إنه ملتزم بحماية المواطنين اليهود ومحاربة معاداة السامية.
وله بالفعل مؤيدون يهود، كما أن هناك يهودًا آخرين يشعرون بقلق شديد من بعض مواقفه، خاصة ما يتعلق بطبيعة إسرائيل كدولة يهودية وبالمساعدات العسكرية الأمريكية لها. ()
لا يوجد هنا شيء اسمه ببساطة «اليهود ضد السيد».
هذه صورة غير صحيحة.
المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه متنوع سياسيًا؛ فيه يمين ويسار ووسط، وصهاينة وغير صهاينة، ومؤيدون بشدة لحكومة إسرائيل، ومنتقدون لها، ومن بينهم من يرفض سياسات بنيامين نتنياهو بصورة علنية.
إذن ما هي ؟
AIPAC
هنا نصل إلى الجزء الأكثر أهمية.
هي اللجنة الأمريكية-الإسرائيلية للشؤون العامة
واحدة من أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في السياسة الأمريكية.
نفوذها لا يأتي من التصويت، وإنما من قدرتها على التنظيم والتمويل ودعم المرشحين الذين تراهم أكثر تأييدًا للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، والعمل ضد المرشحين الذين تعتبر مواقفهم تهديدًا لهذه العلاقة.
وفي انتخابات ميشيجان أنفقت الجهات المرتبطة بها قرابة ٣٠ مليون دولار لدعم منافسة “السيد”، الديمقراطية ” بايلي ستيفنز”، وهو أكبر استثمار لها حتى ذلك الوقت في سباق انتخابي واحد. ومع ذلك فاز السيد. (The Associated Press)
ولهذا كانت النتيجة مهمة جدًا.
فالرسالة لم تكن أن AIPAC اختفت أو فقدت نفوذها.
بل إن المال الضخم لم يعد يضمن النتيجة.
وربما حدث العكس جزئيًا: استطاع السيد أن يقول للناخب إن عشرات الملايين تُنفق لكي تمنعه من الفوز، وحَول الهجوم عليه إلى جزء من حجته ضد نفوذ المال في السياسة.
هل انتهى دور
AIPAC
بعد خسارتها؟
على العكس.
هناك مؤشرات واضحة إلى أن المعركة قد تنتقل الآن إلى انتخابات نوفمبر، وأن القوى المرتبطة بـAIPAC ستواصل العمل ضد “السيد” بعد أن أصبح مرشح الحزب الديمقراطي. وقد أفادت تقارير بأنها تدرس دعم الجهد الرامي إلى هزيمته أمام الجمهوري مايك روجرز. (Al-Monitor)
وهنا تنشأ مفارقة سياسية شديدة الأهمية.
“الإيباك “تاريخيًا لديها علاقات قوية مع سياسيين في الحزبين.
لذلك قد نجد جهة دعمت ديمقراطية ضد ديمقراطي في الانتخابات التمهيدية، ثم بعد هزيمتها تدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة الجمهوري لمنع الديمقراطي الفائز من الوصول إلى مجلس الشيوخ.
وهذا يوضح أن أولويتها ليست انتصار الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، وإنما انتخاب كونجرس مؤيد لإسرائيل وفق رؤيتها.
ولكن الصراع أكبر من إسرائيل
وهذا هو الجزء الذي أراه أهم في القصة كلها.
إسرائيل عنصر شديد الأهمية في انتخابات ميشيجان، لكنها ليست القصة بأكملها.
الصراع الحقيقي داخل الحزب الديمقراطي هو:
من يدفع تكلفة الحملات الانتخابية؟
وإلى من يستمع السياسي بعد أن يفوز؟
هل يستعيد الحزب الطبقة العاملة والناخب الشاب بسياسات اقتصادية أكثر جرأة؟
أم أن التحرك إلى اليسار سيؤدي إلى خسارة المستقلين والناخبين المعتدلين؟
مؤسسة Third Way، وهي من أبرز مراكز التيار الوسطي الديمقراطي، أصبحت تقول علنًا إن الحزب يجب أن يقاوم توسع نفوذ الاشتراكيين الديمقراطيين، وأن المعركة الحقيقية تمتد حتى انتخابات الرئاسة في 2028. (Third Way)
ولهذا فإن ميشيجان ليست مجرد ولاية.
إنها تجربة معملية لمستقبل الحزب.
والسؤال سيحسم في نوفمبر
لو فاز “عبد الرحمن السيد” في الانتخابات العامة، ستكون الرسالة قوية جدًا داخل الحزب الديمقراطي:
يمكن لمرشح تقدمي، ينتقد “الإيباك” وإسرائيل، ويدعو إلى ضرائب أكبر على المليارديرات ورعاية صحية شاملة، أن يفوز. ليس فقط بين الديمقراطيين، بل أمام الناخب الأمريكي العام في ولاية متأرجحة.
أما إذا خسر، فسيقول الجناح الوسطي:
لقد قلنا لكم إن ما يكفي للفوز بانتخابات الحزب الداخلية لا يكفي للفوز بأمريكا.
ولهذا أعتقد أن قصة “عبد الرحمن السيد” لا ينبغي أن نقرأها فقط باعتبارها نجاح أمريكي من أصول مصرية، بل الأهم أنها تفتح نافذة لفهم السياسة الأمريكية نفسها.
ففي الولايات المتحدة لا توجد فقط مواجهة بين الديمقراطيين والجمهوريين.
هناك أيضًا معارك داخل كل حزب على تعريفه وهويته ومستقبله.
وقد فاز “عبد الرحمن السيد” حتى الآن بمعركة مهمة داخل الحزب الديمقراطي.
لكنه لم يفز بعد بمقعد مجلس الشيوخ.
الحكم الحقيقي سيكون في نوفمبر.
—————-
إذن أين أقف أنا كسياسي مصري من هذا الصراع؟
وأنا أقرأ الخلاف الدائر داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وجدت أنه يمس نقاشًا كتبت عنه مرارًا في مصر حول : ماذا نعني أصلًا بكلمة «ليبرالية»؟
فليست كل ليبرالية دعوة إلى ترك السوق بلا حدود، كما أنها ليست عداءً للدولة أو انسحابًا لها من مسؤولياتها الاجتماعية.
أنا أنتمي فكريًا إلى الليبرالية الاجتماعية Social Liberalism.
أؤمن باقتصاد السوق، وبحق المواطن في الملكية والاستثمار والمبادرة، وبأن القطاع الخاص هو المحرك الرئيسي للاستثمار وخلق فرص العمل، وأن هذا الحق ليس منحة تمنحها الحكومة حين تشاء وتسحبها حين تشاء.
لكنني أؤمن في الوقت نفسه بأن السوق، إذا تُرك وحده بلا قواعد، قد ينتج الاحتكار وتركيز الثروة واختلال تكافؤ الفرص.
ومن هنا يأتي دور الدولة.
لا لكي تصبح هي التاجر والصانع والمستثمر الأكبر، وإنما لكي تكون الحَكَم والمنظم والضامن.
دولة تضمن التعليم والرعاية الصحية، وتحمي المنافسة، وتواجه الاحتكار، وتوفر شبكة أمان اجتماعي، وتخلق المناخ الذي يستطيع فيه الفرد أن يبني قدراته ويحصل على فرصة حقيقية للحركة الاجتماعية.
وأعتبر أن حق العمل والأجر العادل لا يقل في قيمته عن حق الملكية،
كما أن الحرية الاقتصادية لا تكتمل إذا كان ملايين المواطنين عاجزين أصلًا عن دخول السوق على قدم المساواة.
لكن لهذه الدولة حدودًا أيضًا.
فالخبرة التاريخية علمتنا أن تضخم ملكية الدولة لوسائل الإنتاج من دون محاسبة يؤدي غالبًا إلى ضعف الكفاءة، وقتل المبادرة الفردية، وفتح أبواب الفساد. والتجربة الشيوعية قدمت المثال الأكبر على نظام أراد تحقيق المساواة بإلغاء الملكية الفردية واحتكار الدولة للاقتصاد، فانتهى في كثير من تجاربه إلى مساواة في الندرة أكثر مما انتهى إلى مساواة في الازدهار.
ولهذا، إذا وضعت نفسي على خريطة الحزب الديمقراطي الأمريكي اليوم، فلن أجد نفسي بالكامل مع جناح Third Way الذي يميل اقتصاديًا إلى الوسط ويرتبط تاريخيًا بعالم المال والشركات الكبرى، ولن أجد نفسي كذلك مع الجناح الاشتراكي الديمقراطي حين يتجاوز تنظيم السوق إلى التشكيك في بنيته الرأسمالية ذاتها.
ربما أكون أقرب إلى مساحة يمكن وصفها بـ اليسار الليبرالي الاجتماعي أو التقدمية المعتدلة:
اقتصاد سوق، ولكن منظم.
قطاع خاص قوي، ولكن بلا احتكار.
دولة قوية، ولكن ليست مالكة لكل شيء.
ضرائب عادلة، ولكن ليست عقابًا على النجاح.
تعليم وصحة باعتبارهما حقوقًا، لا سلعًا لمن يستطيع الدفع فقط.
وحريات فردية وسياسية لا يجوز التضحية بها باسم العدالة الاجتماعية.
ولهذا أجد في بعض ما يقوله” عبد الرحمن السيد” نقاط التقاء ، خصوصًا في الرعاية الصحية، والحد من نفوذ المال السياسي، ومواجهة الاحتكار، وتكافؤ الفرص.
لكنني لا أعتقد أن علاج الرأسمالية المتطرفة ،في الحزب الجمهوري ، والتي أري توجهات ترامب تميل اليها هو إلغاء الرأسمالية والتوجه اليساري الذي يهرب السياسيين الأمريكيين من تسميته اشتراكية لسوء سمعة الكلمة في المجتمع الأمريكي.
الأقرب إلى رؤيتي هو إصلاح اقتصاد السوق لكي يعمل لصالح أكبر عدد ممكن من المواطنين، لا استبداله بدولة تملك الاقتصاد وتديره من أعلى.
وربما تكمن إحدى مشكلات النقاش الأمريكي نفسه في أن الكلمات أصبحت أكبر من مضمونها.
فكلمة «اشتراكي» تستخدم أحيانًا لوصف مجرد المطالبة بتأمين صحي شامل.
وكلمة «رأسمالي» تستخدم أحيانًا وكأنها تعني رفض الضرائب والتنظيم.
بينما توجد بين الطرفين مساحة واسعة هي التي قامت عليها أنجح تجارب الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الاجتماعية في العالم.
وهذه المساحة هي الأقرب إليّ فكري ووجداني.


















