كان نيرون، كما تقول الحكاية، شابًا وسيمًا، محباً للفنون، يعزف على القيثارة ويكتب الشعر، ويحلم أن يكون أعظم ممثل عرفته روما. اعتلى العرش وهو في السابعة عشرة، ومعه حلمٌ واحد لا يتغير: أن يبقى في مركز المسرح، وأن تصفّق له الجماهير أبدًا. في تلك الليلة من صيف عام 64 ميلادية، حين اشتعلت روما، يقول المؤرخون إن نيرون لم يكن في المدينة أصلاً، لكن الأسطورة – وهي أصدق أحيانًا من الوقائع – أصرتّ أن تصوّره واقفًا على شرفته، يعزف ويغني بينما تلتهم النيران الأحياء الفقيرة.
الأسطورة لا تكذب في جوهرها: فسواء أشعل نيرون الحريق أم لا، فإنه استثمره. اتهم المسيحيين، وصلبهم وأحرقهم أحياء ليتسلى الشعب بعقابهم، ثم بنى على أنقاض الأحياء المحترقة قصره الذهبي “الدوموس أوريا”، أوسع وأفخم مما كان.
هذه هي الحكمة القاسية التي تركها لنا نيرون عبر القرون: أن الحريق، لمن يعرف كيف يديره، ليس كارثة، بل فرصة. المدينة تحترق، والناس يبحثون عمّن يحرقهم، والحاكم يقف على المسرح يعزف، لا لأنه غافل، بل لأنه يعرف أن الجمهور المشدوه بالعرض لن يسأل من أشعل الحريق.
تخيلّت حواراً، عبر جدار الزمن، بين نيرون وحاكم من عصرنا هذا، لم يعزف على القيثارة يومًا، لكنه أتقن آلة أعقد:
الشاشة.
نيرون: سمعت أنك أحرقت أسواراً من الاتفاقات والتحالفات التي بنتها أجيال قبلك.
ترامب لم أحرق شيئاً. أنا فقط أعدت البناء. من قال إن الأسوار القديمة كانت تستحق البقاء؟
نيرون: هذا بالضبط ما قلته أنا عن روما القديمة. المدينة الفقيرة، المزدحمة، كانت “تستحق” أن تبُنى من جديد.
المشكلة يا صديقي أن التاريخ لا يسأل “ماذا بنيت؟” بل يسأل “من دفع ثمن الحريق؟”
ترامب الجماهير تصفق لي كل يوم.
نيرون: الجماهير صفقت لي في الكولوسيوم وأنا أرمي بهم للأسود.
الصفقات لا تعني البراءة، بل تعني أن العرض ناجح. أنا مت مكروهًا، وسمّاني التاريخ طاغية. هل تعرف أن مجلس الشيوخ أعلنني “عدوًا للشعب” في آخر أيامي؟ وأن نفس الحشود التي هتفت باسمي في المدرّج، لم تحرك ساكناً وأنا أهرب؟
ترامب مبتسما أنا لست أنت. انا عندي انتخابات ومجالس نيابية واعلام.
نيرون: وأنا كان عندي مجلس شيوخ. الفارق بيننا، إن كان هناك فارق، هو أنك ورثت آلة لتضخيم الصوت لم أحلم بها: كل مواطن اليوم يحمل في جيبه مسرحًا صغيراً، وأنت تعزف عليه ليل نهار. أنا كنت أحتاج إلى قصر ليسمعني الناس. أنت لا تحتاج إلا إلى إبهامك.
ترامب ضاحكا أنا أعظم قائد في التاريخ وافعل ما فعله الرؤساء قبلي ولكن عندي الشجاعة أن أقول ولا أخفي وان اعلن ولا أداور.
أنا اعقد الصفقات ، ًووراء كل صفقة ظاهرة صفقات اخري تحقق الأرباح وتغير الموازين.
نيرون: أنا ميت منذ ألفي عام بسيف يد خادمي، بعد أن تخلى عني الجميع. لكن اسأل نفسك: حين تسكت الموسيقى، ويهدأ التصفيق، ويكتشف الناس أن المدينة احترقت فعلاً لا مجازًاً – من سيقف بجانبك؟
***
لا أكتب هذا لأقارن رجلاً بعينه بإمبراطور مجنون قتل أمه وزوجته وأحرق أتباع دين لم يفهمه. أكتب لأن التاريخ، حين يعيد نفسه، لا يعيد الوجوه، بل يعيد النمط: حاكمٌ يحب المسرح أكثر من الحكم، وجمهورٌ يفضّل الفرُجة على السؤال، ونارٌ توزعَّ تهمتها على الضحايا لا على من أشعلها.
والسؤال الذي يستحق أن يُسأل في كل عصر، وليس في عصر نيرون وحده:
من يعزف اليوم بينما تحترق مدننا؟ ومن منا، نحن الجمهور، يصفّق؟



















