كشف الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي ووكيل اللجنة الاقتصادية الأسبق بالبرلمان، عن قراءة تحليلية دقيقة ل الأزمة الأقتصادية ولما يحدث حاليًا من تذبذب واضح في أسعار الذهب والبترول، مؤكدًا أن المشهد الاقتصادي العالمي لم يعد تحكمه المؤشرات التقليدية فقط، بل أصبح مرهونًا بشكل كبير بما وصفه بـ”حرب التصريحات”.
وأوضح في تصريح خاص لموقع الحرية أن الأزمة الأقتصادية الراهنة لم تعد مجرد انعكاس لتحركات العرض والطلب أو قرارات اقتصادية بحتة، بل تحولت إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي، حيث تلعب التصريحات الصادرة عن قيادات دولية دورًا مباشرًا في تحريك الأسواق، سواء نحو الارتفاع أو الانخفاض، في فترات زمنية قصيرة للغاية، وهو ما جعل حركة الأسعار أكثر حساسية لأي تطور مفاجئ.
وأشار إلى أن التصريحات التي تصدر عن دونالد ترامب، أو من الإدارة الأمريكية والدوائر المؤثرة المحيطة بها، تقابلها في كثير من الأحيان ردود مباشرة من الجانب الإيراني، وهو ما يخلق حالة من الشد والجذب تؤثر بشكل لحظي على حركة الأسواق، وتدفعها إلى تقلبات حادة وغير متوقعة، في ظل تتابع سريع للأحداث والتصريحات.
وأضاف أن هذا التبادل في التصريحات يضع الأسواق العالمية أمام تحدٍ كبير، حيث يؤدي أحيانًا إلى خلق حالة من التفاؤل بإمكانية تهدئة الأوضاع، ما ينعكس على ارتفاع الأسعار، قبل أن يأتي رد مضاد يعيد الأمور إلى نقطة التوتر، وهو ما يفسر التذبذب السريع في أسعار النفط، ومن ثم انتقال التأثير إلى الدولار، ليصل في النهاية إلى الذهب، في صورة متتابعة من ردود الفعل الاقتصادية.
وأكد أن ما يحدث ليس عشوائيًا، بل يدخل في إطار التأثير المباشر على أسعار البترول بشكل أساسي، باعتباره المحرك الرئيسي لباقي عناصر المنظومة الاقتصادية، موضحًا أن أي تغيير في أسعار النفط ينعكس تلقائيًا على سعر الدولار، ومن ثم يمتد التأثير إلى أسعار الذهب، في سلسلة مترابطة تعكس مدى تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي وتشابك عناصره.
الأزمة الأقتصادية
وفي تصريح خاص، أوضح أن هذه المنظومة تمثل شبكة متكاملة من التأثيرات المتبادلة، مشيرًا إلى أن العالم يعيش حاليًا حالة من التداخل بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية، حيث تسير الاثنتان جنبًا إلى جنب، لكن الحرب الاقتصادية باتت أكثر وضوحًا وتأثيرًا في الوقت الراهن، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على أدوات غير تقليدية في إدارة الصراعات.
وشدد على أن “حرب التصريحات” تتصدر المشهد، نظرًا لما تسببه من حالة واسعة من عدم اليقين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، في ظل غياب قواعد واضحة يمكن البناء عليها أو التنبؤ من خلالها بمسار الأسواق، وهو ما يزيد من صعوبة اتخاذ قرارات اقتصادية مستقرة سواء على مستوى الدول أو المستثمرين.
وأضاف أن هذه التصريحات، في كثير من الأحيان، لا تعكس بالضرورة واقعًا فعليًا، لكنها تُستخدم كأداة للتأثير على الأسواق العالمية، سواء فيما يتعلق بأسعار العملات أو الذهب أو النفط، وهو ما يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي خبر أو تصريح، مهما كان مصدره، ويزيد من حدة التذبذب في الأسعار.
وأشار إلى مثال حديث يعكس هذا التوجه، حيث تم تداول تصريحات تفيد بأن إيران قد لا تسمح بمرور ناقلات البترول عبر مضيق مضيق هرمز إلا بشروط معينة تتعلق بآليات السداد، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للنظام المالي العالمي القائم، خاصة فيما يتعلق بما يُعرف بنظام “البترودولار” الذي ترتكز عليه الهيمنة الاقتصادية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
وأوضح أن مثل هذه التصريحات، حتى وإن كانت في إطار التلويح أو الضغط السياسي، فإنها تترك أثرًا فوريًا على الأسواق العالمية، وتؤدي إلى الأزمة الأقتصادية واضطرابات في حركة الأسعار، سواء في النفط أو الدولار أو الذهب، وهو ما ينعكس بدوره على اقتصاديات الدول المختلفة، ويزيد من حالة الترقب والقلق في الأسواق.
الأزمة الأقتصادية
واختتم بالتأكيد على أن هذه الحالة من الأزمة الأقتصادية وحالة عدم الاستقرار مرشحة للاستمرار في ظل استمرار التصعيد في التصريحات، ما يجعل الاقتصاد العالمي أمام مرحلة معقدة تتسم بارتفاع درجة المخاطر، وتحتاج إلى متابعة دقيقة وتحليل مستمر لفهم اتجاهاتها وتأثيراتها المستقبلية، خاصة في ظل غياب مؤشرات ثابتة يمكن الاعتماد عليها في قراءة المشهد الاقتصادي العالمي.