لم تعد أزمة السوق العقاري في مصر مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو زيادة المعروض، وإنما امتدت إلى ملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بحماية أموال العملاء، وانضباط الشركات، وطريقة قراءة المؤشرات الاقتصادية المرتبطة بالقطاع. وبينما تتزايد المطالب بوضع قواعد أكثر صرامة لتنظيم السوق وحماية المشترين، تبرز في المقابل تساؤلات حول مدى دقة بعض المؤشرات المستخدمة في تقييم الأداء الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تتقاطع تصريحات نور الهدى محمود، المالكة لشركة تحوت للتسويق العقاري والإعلامية بقناة الشمس، مع رؤية الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، عند نقطة رئيسية، وهي ضرورة التعامل مع الأرقام والوقائع الاقتصادية بصورة أكثر دقة، وعدم الاكتفاء بالمؤشرات العامة عند تقييم حقيقة الأوضاع داخل السوق.
نور الهدى: تنظيم السوق يبدأ من حماية أموال العملاء
أكدت نور الهدى محمود، أن تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي في ملف أزمات العملاء والشركات العقارية يمثل خطوة مهمة لحسم المشكلات المتراكمة وحماية حقوق المتضررين، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب سرعة تحرك الجهات المعنية لتنفيذ التوجيهات ووضع حلول عاجلة.
وقالت نور الهدى، إنها كانت تشعر منذ نحو 3 أشهر بأن الرئيس عبدالفتاح السيسي سيتدخل شخصيًا في هذا الملف، وذلك بعد تعرضها لمشكلة مع إحدى الشركات التي قالت إنها لم تكن حاصلة على التراخيص اللازمة، وهو ما دفعها إلى نشر تفاصيل الأزمة وتوجيه رسائل إلى الرئيس عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضافت محمود، أنها بعد عرض مشكلتها، أصبح لديها إحساس قوي بأن ما حدث معها قد يكون مقدمة لتدخل أكبر من جانب الدولة للتعامل مع ملف الشركات غير الحاصلة على التراخيص ومشكلات العملاء، موضحة أن تجربتها دفعتها إلى التركيز بصورة أكبر على قضايا المتضررين من خلال برنامجها «استثمارك العقاري».
وترى نور الهدى أن تنظيم السوق لا ينبغي أن يقتصر على وضع قواعد للمطورين الذين سيعملون في المستقبل، وإنما يجب أن يمتد إلى معالجة أوضاع العملاء الذين اشتروا بالفعل وتعرضوا لمشكلات.
اتحاد المطورين.. تنظيم المستقبل لا يعالج وحده أزمات الحاضر
وأوضحت الاعلامية نور، أن فكرة اتحاد المطورين التي جرى الحديث عنها خلال الفترة الماضية كانت تستهدف تنظيم السوق العقاري مستقبلًا، من خلال تقييم المطورين وفقًا للمشروعات التي نفذوها وملاءتهم المالية وغيرها من المعايير.
وتابعت محمود، أن تدخل الرئيس السيسي في الملف يفرض التعامل مع جانب آخر لا يقل أهمية، وهو حماية العملاء الذين اشتروا بالفعل وتعرضوا لمشكلات، قائلة: «الناس اللي اشترت واتضررت دي حقوقها فين؟».
وشددت نور الهدي، على ضرورة أن تتحرك الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الإسكان، بصورة أسرع لوضع هذا الملف ضمن الأولويات، مؤكدة أن مدخرات العملاء ووحداتهم السكنية لا تحتمل مزيدًا من التأخير.
وقالت: «فلوس الناس مش لعبة، ومدخرات الناس وشقة عمر الناس ما ينفعش يتأخروا أكتر من كده»، مشيرة إلى أن عددًا من العملاء اضطروا إلى رفع دعاوى قضائية، بينما تعرض آخرون لفسخ وحداتهم بعد توقفهم عن سداد الأقساط نتيجة عدم تنفيذ أو تسليم المشروعات في المواعيد المتفق عليها، مؤكدة أن المطلوب هو العمل بالتوازي على حماية العملاء الحاليين ووضع منظومة أكثر انضباطًا لحماية المشترين في المستقبل.
هاني توفيق: المديونية يجب أن تقاس بقدرة الدولة على السداد
وفي زاوية اقتصادية موازية، انتقد الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، الاعتماد على نسبة المديونية إلى الناتج المحلي الإجمالي (GDP) باعتبارها المعيار الأساسي لتقييم قدرة الدولة على سداد ديونها.
وأشار توفيق، إلى السادة الوزراء والخبراء الذين يصرون على نسبة المديونية للناتج المحلي GDP، هذا خطأ جوهري، والمفروض نسبته لدخل الدولة، الذي سنسدد هذه الديون منه، مضيفا أن تقييم حجم المديونية يجب أن يرتبط بدخل الدولة، باعتباره المصدر الذي سيتم من خلاله سداد الديون والالتزامات، وليس بالناتج المحلي الإجمالي فقط.
العقارات المهجورة تفتح سؤالًا حول دقة مؤشرات النمو
وفيما يتعلق بالناتج المحلي، أشار توفيق، إلى أن الاعتماد عليه في قراءة الأداء الاقتصادي قد يعطي صورة مضللة في بعض الحالات، موضحًا أن الناتج المحلي يتضمن ملايين العقارات المهجورة.
وقال: “وأزيد أن الناتج المحلي مضلل لتضمنه ملايين العقارات المهجورة، التي لولاها لأصبح النمو سالبا”.
ويطرح تصريح توفيق، تساؤلًا أوسع حول كيفية احتساب النشاط العقاري داخل المؤشرات الاقتصادية، ومدى قدرة الأرقام الإجمالية على عكس النشاط الاقتصادي الحقيقي، خصوصًا في ظل وجود وحدات عقارية غير مستغلة أو أصول لا تتحول بالضرورة إلى نشاط اقتصادي منتج.
السوق بين حماية المدخرات ودقة الأرقام
وبينما تركز نور الهدى محمود على الجانب المتعلق بحقوق العملاء وانضباط السوق، يلفت هاني توفيق الانتباه إلى جانب آخر يتعلق بقراءة المؤشرات الاقتصادية، إلا أن القاسم المشترك بين التصريحين يتمثل في الحاجة إلى صورة أكثر دقة عن حقيقة النشاط العقاري وتأثيره الاقتصادي.
فالسوق العقاري لا يمثل مجرد عمليات بيع وشراء للوحدات، وإنما يرتبط بجزء كبير من مدخرات الأسر، واستثمارات الشركات، والتشغيل، والنشاط الصناعي والخدمي المرتبط بالبناء والتشييد، وهو ما يجعل أي خلل في تنظيمه أو في قراءة مؤشراته ذا تأثير يتجاوز القطاع نفسه.
ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى أن يسير تنظيم السوق في مسارين متوازيين؛ الأول حماية العملاء الذين دخلوا بالفعل في تعاقدات ويواجهون أزمات في التنفيذ أو التسليم، والثاني وضع قواعد أكثر وضوحًا لتقييم الشركات والمشروعات قبل طرحها، بما يقلل من المخاطر المستقبلية.
وفي الوقت نفسه، تظل دقة المؤشرات الاقتصادية عنصرًا أساسيًا في تقييم أداء القطاع، خاصة مع ضخامة حجم الاستثمارات المرتبطة بالعقارات، بما يجعل الفصل بين النشاط العقاري الحقيقي والأصول غير المستغلة مسألة مهمة عند تحليل مساهمة القطاع في الاقتصاد ومعدلات النمو.
اقرا ايضا: سحب الأراضي وتصنيف المطورين.. قواعد جديدة تعيد رسم خريطة السوق العقارية





















