لم يكن مجلس الشعب المنتخب في عام 2010 مجرد محطة برلمانية عابرة في تاريخ مصر، بل تحوّل، في نظر كثيرين، إلى أحد العوامل الحاسمة التي عجّلت بنهاية نظام الرئيس الأسبق والراحل حسني مبارك، بعد أكثر من ثلاثة عقود من السيطرة على الحياة السياسية.

فليس كل برلمان يبني دولة، وبرلمان 2010 كان شاهدًا على انسداد كامل في الأفق السياسي، مهّد الطريق لانفجار الغضب الشعبي في 25 يناير 2011.
قبل نحو شهر ونصف الشهر من اندلاع الثورة، اكتمل تشكيل مجلس الشعب 2010، تحت إشراف قيادات الحزب الوطني المنحل، وعلى رأسهم المهندس أحمد عز، الأمين العام للحزب آنذاك، ليعلن فوز الحزب الحاكم بما يقارب 97% من مقاعد المجلس، في نتيجة غير مسبوقة أقصت المعارضة تمامًا، وأرسلت رسالة واضحة للمجتمع بأن التغيير عبر الصندوق الانتخابي لم يعد ممكنًا.

تزوير وإقصاء وانسحاب جماعي
الانتخابات البرلمانية التي جرت على مرحلتين في نهاية عام 2010، اتسمت، وفق تقارير وشهادات سياسية، بعمليات تزوير واسعة وتدخل أمني مباشر لصالح مرشحي الحزب الوطني، ما دفع قوى سياسية رئيسية إلى الانسحاب من العملية الانتخابية.

فقد أعلن حزب الوفد، برئاسة الدكتور السيد البدوي، انسحابه احتجاجًا على ما وصفه بتزوير فجّ، تبعته جماعة الإخوان المسلمين التي قررت عدم خوض جولة الإعادة، ثم الحزب الناصري الذي انسحب بدوره من المشهد.
هذا المشهد عزز شعورًا عامًا بالإحباط، ورسّخ قناعة لدى قطاعات واسعة من المصريين بأن النظام الحاكم لم يعد قادرًا، أو راغبًا، في الاستجابة لمطالب الإصلاح السياسي أو تداول السلطة.
“البرلمان الموازي”.. إنذار مبكر
بالتزامن مع بدء انعقاد جلسات مجلس الشعب في يناير 2011، أطلق نحو 120 نائبًا سابقًا، ممن حالت نتائج الانتخابات دون فوزهم، ما عُرف بـ”البرلمان الشعبي الموازي”، وعقدوا أولى جلساته أمام مجلس الدولة، مطالبين بحل المجلس المنتخب وإجراء انتخابات جديدة، وتنفيذ الأحكام القضائية ببطلان الانتخابات في نحو 92 دائرة.

وضم البرلمان الموازي شخصيات سياسية بارزة، من بينها جمال زهران، ومصطفى بكري، وحمدين صباحي، وعلاء عبد المنعم، وسعد عبود، إلا أن هذه التحركات قوبلت بتجاهل رسمي واستخفاف واضح من دوائر الحكم.



استخفاف سبق السقوط
في نهاية ديسمبر 2010، وقف جمال مبارك، أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني آنذاك، أمام مؤتمر الحزب، متحدثًا عن “موجة ثانية من الإصلاحات”، دون أي إشارة إلى نتائج الانتخابات المثيرة للجدل أو إلى البرلمان الموازي، كما أكد أن الحزب الوطني “يهتم بالحوار مع المعارضة”، في وقت كانت فيه المعارضة قد أُقصيت عمليًا من البرلمان.
“خليهم يتسلوا”، هكذا علق الرئيس الأسبق حسني مبارك على مطالب أصحاب البرلمان الموازي خلال خطاب له أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشعب والشورى، في تعليق اعتبره وقتها كثيرون تعبيرًا عن فجوة عميقة بين السلطة والشارع، ولم يكن يعلم حينها أن تلك الكلمات ستكون من آخر “قفشاته” في السلطة.

بعد 15 عامًا.. دلالات لا تُنسى
اليوم.. وبعد مرور خمسة عشر عامًا على ثورة 25 يناير، يعود الحديث عن برلمان 2010 بوصفه أحد أبرز رموز الانسداد السياسي الذي سبق الثورة، ودليلًا على أن تغييب التعددية وإفراغ المؤسسات من مضمونها قد يتحول إلى شرارة تغيير كبرى.
لم تكن الثورة وليدة لحظة، بل نتاج مسار طويل، وكان برلمان 2010 أحد أكثر تعبيراته وضوحًا، وفي ذكراها الخامسة عشرة، تظل يناير تذكيرًا بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى ببرلمان صوري، بل بمشاركة سياسية حقيقية، واحترام لإرادة المواطنين.
اقرأ أيضا: لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث| بعد 15 عامًا.. قراءات متعددة في حصاد ثورة 25 يناير





















