حذّر الدكتور محمد حلمي خلفا، استشاري طب الأطفال، في تصريحٍ خاص لموقع “الحرية الإخباري” من خطورة الترويج لما يُعرف بـ“نظام الطيبات”، مؤكدًا أن الأمر لم يعد مجرد اجتهاد فردي أو رأي قابل للنقاش، بل أصبح قضية تمس حياة المرضى بشكل مباشر، وقد تؤدي إلى عواقب كارثية إذا تم التعامل معها دون وعي علمي دقيق.

خطورة “نظام الطيبات” والتحذير من الاستغناء عن العلاج الدوائي
وأوضح خلفا أن نظام الطيبات والدعوات التي تشجع المرضى على التوقف عن تناول الأدوية، خاصة في الأمراض المزمنة مثل السكري، تمثل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة، مشددًا على أن “واجب كل طبيب، بل وكل إنسان لديه قدر من الوعي، أن يتحدث بصراحة ويُحذر من هذه الممارسات التي قد تودي بحياة الأبرياء”.
وأشار إلى أن التاريخ الطبي يُقدم دليلًا واضحًا لا يمكن تجاهله، حيث كانت الأمراض مثل السكري، خصوصًا من النوع الأول، تُعد حكمًا بالموت قبل اكتشاف العلاج المناسب.
لافتا إلى أنه في الفترة التي سبقت عام 1921، كان مرض السكري يؤدي إلى الوفاة بنسبة تقترب من 100%، خاصة بين الأطفال، حيث كان المرضى يفارقون الحياة خلال أيام أو أشهر، وفي أفضل الأحوال بعد سنوات قليلة فقط، رغم اتباع أنظمة غذائية صارمة لم تكن كافية لإنقاذهم.
الإنسولين نقطة تحول أنقذت ملايين المرضى من الموت
وأضاف أن نقطة التحول الكبرى جاءت مع اكتشاف الإنسولين عام 1921 على يد الطبيب الكندي فريدريك بانتنغ، وهو الإنجاز الذي استحق عنه جائزة نوبل في الطب عام 1923.
وقد غيّر هذا الاكتشاف مسار المرض بشكل جذري، إذ تحولت حياة المرضى من مجرد شهور معدودة إلى عقود طويلة يمكن خلالها التعايش مع المرض بصورة طبيعية نسبيًا.
وبيّن خلفا أن إدخال الإنسولين إلى الممارسة الطبية أدى إلى انخفاض هائل في معدلات الوفاة المبكرة، خاصة في الحالات الحادة، لتصل نسبة الانخفاض إلى ما يقارب 90–100% مقارنة بما كانت عليه قبل اكتشافه.
كما أظهرت الدراسات الحديثة استمرار تحسن معدلات البقاء على قيد الحياة، مع انخفاض سنوي في الوفيات يتراوح بين 2.1% و5.8%، نتيجة التطور في طرق العلاج والمتابعة الدقيقة للمرضى.
ولفت إلى أن العلاج المكثف بالإنسولين، الذي يعتمد على ضبط مستويات السكر بدقة، أثبت فعاليته الكبيرة في تقليل المضاعفات والوفيات، بل إن تأثيره الإيجابي يمتد لعقود طويلة قد تتجاوز 30 عامًا، وهو ما يعكس مدى أهمية الالتزام بالخطة العلاجية وعدم التهاون فيها.
ورغم هذا التقدم الكبير، أوضح خلفا أن مرضى السكري ما زالوا يواجهون خطر وفاة أعلى مقارنة بغير المصابين، حيث تتراوح نسبة الخطر بين ضعفين إلى خمسة أضعاف، إلا أن هذا الخطر يظل أقل بكثير من الوضع السابق، حين كان المرض يعني الوفاة شبه المؤكدة في غياب العلاج.

وأشار إلى أن مرض السكري لا يزال يمثل تحديًا عالميًا، حيث تسبب في نحو 1.6 مليون حالة وفاة مباشرة حول العالم في عام 2021، مؤكدًا أن هذه الأرقام كانت ستكون أكثر فداحة بكثير لولا اكتشاف الإنسولين وتطور أساليب العلاج الحديثة.
وشدد استشاري طب الأطفال على أن الإنسولين لم يقتصر دوره على تقليل نسب الوفاة فحسب، بل نقل المرض من كونه حكمًا نهائيًا بالموت إلى حالة مزمنة يمكن إدارتها والتعايش معها لسنوات طويلة، وهو ما يُعد من أعظم إنجازات الطب الحديث.
التضليل الطبي عبر السوشيال ميديا ومسؤولية حماية حياة المرضى
وفي سياق متصل، حذّر خلفا من خطورة تداول أو مشاركة أنظمة علاجية غير معتمدة أو غير مدعومة علميًا، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن “مجرد مشاركة معلومة خاطئة قد تدفع مريضًا لاتخاذ قرار بوقف العلاج، وهو ما قد يؤدي إلى وفاته بالفعل”.
وكشف عن وقوع حالات حقيقية تأثرت بمثل هذه الدعوات، من بينها واقعة وفاة مريضة يُشتبه في ارتباطها باتباع هذا النظام، ما دفع إلى تقديم بلاغ رسمي لنقابة الأطباء، التي بدورها بدأت التحقيق في الأمر، في خطوة تعكس خطورة الوضع وحجمه.
واختتم خلفا تصريحه برسالة حاسمة، مؤكدًا أن معاندة الإجماع الطبي العالمي، والترويج لأفكار غير مثبتة علميًا، لا يمكن اعتباره “صدقة جارية” كما يروج البعض، بل قد يتحول إلى “سيئة جارية” يتحمل صاحبها مسؤولية ما يترتب عليها من أضرار جسيمة أو فقدان أرواح، داعيًا الجميع إلى تحكيم العقل والعلم، والرجوع إلى المصادر الطبية الموثوقة حفاظًا على حياة المرضى وسلامتهم.
نرشح لك.. اضطرابات الأكل مش دلع.. استشاري نفسي لـ«الحرية»: الفرق بين الرفض الطعام العادي والمميت





















