في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الأسواق وتغير أولويات الأفراد أدلت الدكتورة هدى الملاح الخبيرة الاقتصادية ومديرة المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى بتحليل اقتصادي وسلوكي معمق حول ما يعرف بـ “نظام الطيبات” وهو النموذج السلوكي الجديد الذي يسعى إلى تفسير وإعادة صياغة سلوك المستهلك بناءً على ثالوث: “الاحتياج، القيمة والأثر”، متجاوزاً المعيار السعري التقليدي إلى أبعاد أكثر اتساعاً ترتبط بالصحة والجودة والأثر الأخلاقي وتطرح الدكتورة هدى الملاح تساؤلاً جوهرياً يقع في قلب الاقتصاد السلوكي: هل يمثل هذا النظام دليلاً إرشادياً لرفع وعي المستهلك، أم أنه مجرد آلية خفية لإعادة هندسة وتوجيه قراراته الشرائية؟
ماهية “نظام الطيبات” وإشكالية القياس الموضوعي
يعرف “نظام الطيبات” إجرائياً بأنه إطار سلوكي يُصنف السلع والخيارات الاستهلاكية بناءً على مستويات “الجدوى والفائدة” حيث يصبح “الطيب” بمفهومه الشامل (الصحي والنوعي) هو المحرك الأساسي للشراء وليس السعر فقط.
إلا أن الدكتورة هدى الملاح تشير إلى معضلة بحثية واضحة؛ فبينما تستند المعايير الاقتصادية التقليدية إلى مؤشرات رقمية قابلة للقياس (كالسعر وحجم الطلب) فإن “نظام الطيبات” يتسع ليشمل عناصر مرنة وذاتية مثل “الفائدة المتوقعة والأثر الصحي” هذا التباين يجعل النظام معياراً تفسيرياً متغيراً يختلف من مستهلك لآخر تبعاً لثقافته، ومستوى دخله، ووعيه الشخصي، بدلاً من كونه نموذجاً علمياً ثابتاً وموحداً.
مسارات التأثير على سلوك المستهلك
وفقاً لمنظور الاقتصاد السلوكي ترى الخبيرة الاقتصادية أن هذا النظام يؤثر على المستهلك عبر ثلاثة مسارات أساسية:
- الانتقال إلى الشراء المُقيَّم: كبح جماح الشراء العاطفي واللحظي وتحفيز المستهلك على مقارنة البدائل بشكل عقلاني.
- إعادة صياغة مفهوم القيمة: ربط القيمة بالفائدة العائدة على الجسد والصحة، وليس فقط بالقيمة المادية للسلعة.
- إبطاء قرار الشراء: إدخال معايير تقييمية جديدة قد يحد من القرارات الاندفاعية، لكنه في المقابل يرفع من “الضغط المعرفي” والإرهاق الذهني للمستهلك نتيجة تعدد الخيارات والمعايير أمام كل قرار شراء يومي.
الواقع الاقتصادي المصري.. صدمة “المثالي” و”الممكن”
في سياق تحليلها للوضع المحلي في مصر، تؤكد الدكتورة هدى الملاح أن أي نموذج لتفسير السلوك الاستهلاكي يصطدم حتماً بـ الواقع الاقتصادي الضاغط ومعدلات التضخم حيث يظل “السعر والدخل” هما الحاكم الفعلي والنهائي لمعادلة الشراء (القدرة الشرائية مقابل الاحتياج). وتضرب الملاح عدة أمثلة واقعية:
- قطاع الدواجن: يتأثر استهلاك الأسر صعوداً وهبوطاً بحركة الأسعار، مما يدفعها لتقليص الحصص أو البحث عن بدائل بروتينية أرخص عند ارتفاع التكلفة.
- البقوليات (العدس والفول): تظل سلعاً استراتيجية مستقرة في الميزانية المصرية، ليس لأنها مصنفة نظرياً كـ “طيبات”، بل لمرونتها وقدرتها العالية على التكيف مع الميزانيات المحدودة.
- قطاع الألبان: تعكس الفجوة بين شراء المنتجات عالية الجودة والأنواع منخفضة التكلفة الصراع اليومي للمستهلك بين “الخيار المثالي” و”الخيار المتاح عملياً”.
وتخلص الملاح في هذا الجانب إلى أن الضغوط التضخمية تحول قرارات المستهلك من “اختيار الأفضل صحياً” إلى “اختيار المتاح اقتصادياً” مما يجعل النظام مجرد إطار نظري ما لم يدمج بواقع الأرقام والدخول.
التأثيرات الاقتصادية والتحديات السوقية المتوقعة
تتوقع الدكتورة هدى الملاح أن يفرز انتشار مثل هذه النماذج السلوكية حزمة من التأثيرات الإيجابية والتحديات في بنيوية السوق فمن ناحية يساهم النظام في توجيه جزء من الطلب نحو السلع ذات القيمة الحقيقية ويدفع الشركات لتطوير منتجاتها والتركيز على معايير الجودة، فضلاً عن خلق أسواق موازية تعتمد على التنافس القيمي بجانب السعري.
ومن ناحية أخرى تبرز تحديات ومخاطر تجارية واضحة؛ أهمها غياب آلية أو معيار موحد وصارم للتصنيف القيمي وخطر تحول شعارات “القيمة والصحة” إلى مجرد أدوات تسويقية خادعة لجذب المشترين بالإضافة إلى صعوبة تطبيق هذه النماذج بفاعلية في أسواق تعاني من تفاوت حاد في الدخول.
عندما يتحول الغذاء إلى “محتوى رقمي” واقتصاد انتباه
تحذر الدكتورة هدى الملاح من ظاهرة تحول الأنظمة الغذائية على المنصات الرقمية إلى جزء من “اقتصاد الانتباه” حيث تقدم بعض الأفكار الطبية أو الغذائية بلغة تبسيطية وصادمة أحياناً بغرض حصد التفاعل والمشاهدات الرقمية (Trend).
وينساق المستهلك وراء هذه الأطروحات بحثاً عن حلول سريعة أو هروباً من تكاليف الرعاية الطبية مما يحول النصيحة الصحية من أداة توعية علمية دقيقة إلى “منتج استهلاكي خاضع لمنطق الخوارزميات والتفاعل الرقمي” وهو ما قد يضلل المستهلك ويدفعه لبناء قرارات شرائية على معلومات غير موثقة.
نرشح لك: هدى الملاح توضح لـ”الحرية” أسباب عدم انخفاض الذهب في مصر رغم تراجعه عالميا





















