الرواية، القصة القصيرة، المسرحية، المقالة، كل هذه الأنواع الأدبية السردية ليست غريبة على سمع القارئ، وهي أيضًا أنواع مستقرة من حيث التجنيس ووضوح الخطوط الفاصلة بين كل صنف منها، أما القصة القصيرة جدًا والومضة القصصية فهما نوعان أدبيان لم ترسخ بعد أقدامهما على خريطة الأدب عامة والأدب العربي خاصة.
فما إن تذكر لقارئ ما ليس متمرسًا في معرفة التصنيفات الأدبية والأنواع المختلفة منها أنك تقرأ مجموعة قصص قصيرة جدًا حتى يتطلع إليك بعينين حائرتين متسائلتين: ماذا تقصد بالقصة القصيرة جدًا، أنا أعرف الرواية التي هي قصة طويلة ممتدة في الزمن متعددة الشخصيات كثيرة الأحداث، بطيئة الإيقاع أحيانًا، يتمهل فيها الكاتب وهو يرسم شخصياته، يسرف أحيانًا في وصف الأماكن والمناخ والملابس وأنواع الطعام، وقد يأتي فيها على ذكر ما شاء من علوم ومعارف وتاريخ وفلسفة، ويتعمق في تحليل شخصياته نفسيًا ومعرفيًا وسلوكيًا، يخوض فيها عوالم مختلفة، يُجرب فيها مستويات مختلفة من الأداء اللغوي، يمزج فيها بين النثر والشعر بغير تحفظ، يجمع فيها كل ما استطاع من تقنيات متلاعبًا بها في مهارة كي يجذب انتباهنا.
ويمكن لقارئ آخر أن يقول لك: أنتم المتكلفون أيها النقاد، لابد أن تلبسوا علينا الأمور، ما يضيرك لو قلت إنك تقرأ مجموعة قصصية وفقط؟ لماذا تحبون الغموض والمرواغة بإضافة كلمة تجعلنا في حيرة من أمرنا؟ نحن نعرف عن ظهر قلب القصة القصيرة كما قرأناها منذ محمود البدوي ويحيى حقي ومحفوظ وسعيد الكفرواي ويحيى الطاهر عبد الله ويوسف إدريس ورفقي بدوي وغيرهم الكثيرين من المبدعين الذين كتبوا هذا الفن الراقي الذي عرفناه بوصفه نصًا قصيرًا قصرًا ملحوظًا عن الرواية، وعرفناه محدود الشخصيات مقارنة بالرواية، واستمتعنا به لأنه محدود الموضوع، لا ينزلق إلى قضايا متشابكة كما تفعل الرواية، عرفناه نصًا مكثفًا لا يحتاج منا طويل وقت لإتمامه، فما بالك تضيف الآن كلمة جدًا بعد هذا النوع المحبب إلينا، يتطلع المستمع متسائلًا: ماذا تعني بكلمة مجموعة قصص قصيرة جدًا؟ هنا وجدت لزامًا عليّ أن أجلس مع المتسائلين عن هذا الفن بغية توضيح الأمر واستجلائه، فقلت لهما معًا – الذي حدثني عن الرواية وصاحبه الذي حدثني عن غرامه بالقصة القصيرة – هذا النوع من السرد ربما كان آخر الأنواع الأدبية السردية التي أصبح لها مكانًا ومكانة بين أنواع السرد، هو آخر الملتحقين بقطار السرد متعدد العربات، فقد أصبح له كتابه الذين يجيدون كتابته، وأصبح له نقاده الذين وضعوا له المعايير والحدود ورصدوا السمات العامة له.
اعتدل كلاهما وانتبها لحديثي فشرعت أطرق الحديد ساخنًا وقلت متحمسًا: تعلمون أن التطور هو سنة الحياة عامة، وسنة الأدب خاصة، ولما كان الأدب ليس إلا تعبيرًا عن المجتمعات بما يموج فيها من قضايا وأحداث وشخصيات وتعقيدات فإنه بالضرورة لابد أن يساير المجتمعات في تقدمها أو انهيارها، في سرعتها أو بطئها، في بساطتها أو تعقيدها.
فإذا كانت الرواية هي الراصد الأول للمجتمع بوصفه كيانًا إنسانيًا كبيرًا يسير في دروب التاريخ منذ القدم حتى وصل إلى اللحظة الراهنة، وإذا كانت القصة القصيرة قد انشغلت بالإنسان الفرد وراحت تهتم بقضاياه النفسية والمعنوية والفكرية، وليس اهتمام القصة القصيرة بالفرد إلا نتيجة مباشرة لموجة التفرق والتشرذم الذي ضربت المجتمعات في سويداء القلب، فأصبح الإنسان الفرد مجتمعًا قائمًا بذاته، ولذا رافقت القصة القصيرة هذا الإنسان الذي انفصل عن مجتمعه وأصبح جزيرة منعزلة في محيط مجتمعه.
ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فقد رأينا هذا الإنسان الفرد وقد انشطر على ذاته، وبعد أن كان يحب أن تحكى قصته الممتدة على مدار يومه أو بعض أيامه أصبح لا يجد وقتًا إلا لجزء يسير من يومه وربما لا يجد إلا لحظات أو بعض لحظات يريد أن يقبض عليها لتصبح حكاية صغيرة وسريعة تختصر يومه وقد تشير أو ترمز إلى مسيرته.
وبعد أن كان الأدب يحب أن يرصد المجتمع بكل تحولاته وصراعاته أصبح يُحبذ الكتابة عن جزء قليل من أفراده. وربما عن فرد واحد منه، ثم راح يتعاطف مع الإنسان الذي مزقته الضغوط وشرذمته الحروب فراح يهتم بلحظاته، بمواقفه الخاطفة التي يمر بها، هنا نجدنا وصلنا إلى محطة مهمة من السرد ألا وهي محطة (القصة القصيرة جدًا).
تطلع إلىّ المتسائلان عن فن القصة القصيرة جدًا بوصفه فنًا حديثًا وتساءل أحدهما: هل تقصد أن القصة القصيرة جدًا تهتم فقط بلحظة خاطفة من حياة الإنسان مما جعل هذا الفن موافقًا لروح العصر؟ هنا انبريت متحدثًا عن ميزة ميزت القصة القصيرة جدًا وجعلت منه موافقًا لروح العصر فقلت لهما: إن الحركة السريعة الموارة وتقارب الزمان وضيق الوقت ولهاث الإنسان خلف كل احتياجاته، كل ذلك لم يترك لإنسان العصر الفرصة الكافية للاستغراق فى قراءة أعمال كبيرة تستغرق وقتًا كبيرًا منه، هذا فضلًا عن التقنيات الإعلامية في العصر الحديث التي تعتمد المنشورات القصيرة لأنه ليس ثمة متسع من الوقت للشرح والتفصيل والوصف والإسهاب، لذا ليس مستغربًا أن يلجأ المبدعون إلى هذا النوع الأدني الذي يراعي كل سمات بل وشروط الأدب من جهة ويراعى في الوقت ذاته ظروف هذا الإنسان اللاهث الذي لا يجد وقتًا كافيًا للاستمتاع بالأدب وفي الوقت ذاته لا يستطيع التخلي عن حاجته لهذا الأدب والاستمتاع به.
اندفع أحدهما قائلًا: نحن في حاجة ماسة لمعرفة المزيد عن هذا الفن فهلا حدثتنا عنه؟
هنا وجدت نفسي أبتسم ابتسامة رائقة وأتنفس بعمق وشرعت في الحديث القصة القصيرة جدًا هي فن سردي خالص له سمات عامة وأركان وأعمدة تحمله وله أيضًا تقنياته التي تميزه.
وهنا ربما سأكون مضطرًا للمقارنة الدائمة بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا، فبينما نجد القصة القصيرة التقليدية مهتمة بالشخصية ورسمها رسمًا بسيطًا وربما نحا كاتبها إلى تحليل شخصية البطل أو شخوص القصة، أقول بينما نجد ذلك واضحًا في القصة التقليدية نجد القصة القصيرة جدًا لا تعول مطلقًا على الشخصية ومن ثم لا تهتم بوصفها ولا تحليلها.
كاتب القصة القصيرة جدًا مثل لاعب السيرك الماهر الذى يسير بقدم واحدة على حبل رفيع وعليه أن ينتقل من جهة إلى أخرى في لمح البصر دون أن يسقط أو يترنح، فهل ترى هذا اللاعب سيكون مشغولًا بنوع الحبل الذي يسير فوقه أو نوع الإضاءة المنداحة في المكان أم تراه سيكون مشغولًا بجموع الجماهير التي تتابعه؟
أظنكم تقولون في صوت واحد: لا لن يهتم بتفاصيل كل هذه الأمور، وسيكون مهتمًا بموضع قدمه، وسرعة حركته وإبهار النظارة بينما هو يمرق من طرف إلى آخر وهم يحبسون أنفاسهم، فاذا نجح في العبور نال التصفيق الحاد وإلا نال مذمتهم، قلت وكذلك كاتب القصة القصيرة. يتحرك في مساحة صغيرة على ورقه الأبيض فترى نصه لا يتجاوز صفحة بالكاد ولا تقل عن سطور خمسة على أقل تقدير، فكيف يتحرك هذا الكاتب إلا كما يتحرك لاعب السيرك، لذا لن تجده مهتمًا إلا بحدث خاطف قام به شخص واحد، يكتبه مصورًا اياه، جاعلًا من نهايته مفاجأة تزلزل القارئ. فينال الكاتب استحسان وتصفيق قرائه كما نال لاعب السيرك إعجاب الناظرين إليه لحظة صمت سادت بيننا ثم فكرت مليًا في أمر ما وحدثتهم بما فكرت فيه: ما رأيكم لو حاولنا تطبيق ما نتحدث به عن القصة القصيرة جدًا على عمل أراه يحقق ما سوف نتناوله الآن بالدراسة؟
رحبا معًا وقال أحدهما: أنا شغوف لمعرفة نماذج من هذا الصنف وكيف يكتبه المبدع؟ وكيف أتلمس التقنيات التي يستعين بها الكاتب لكتابة نصه، قلت لهم بين يديكم مجموعة بعنوان (عطر الليل) للكاتب المبدع الكبير عمار على حسن، استعدنا جميعًا الانتباه وشرعنا في الحديث:
هذه مجموعة قصصية حرص الكاتب على تحديد هويتها منذ اللحظة الأولى عندما كتب جنسها الأدبي أسفل العنوان (قصص قصيرة جدًا)
إذن فقد سهل الأمر علينا:
– ربما كانت الملاحظة الأولى والتي تؤكد السمة الرئيسية التي تحدثنا عنها منذ قليل، أعني سمة (قصر النص) الملحوظ مقارنة بالقصة القصيرة، أقول الملاحظة الأولى هي أننا أمام ما يقرب من مائة وستين نص موزعة على ما يقرب من مائة وسبع من الصفحات، فإذا ما قسمنا عدد القصص على عدد الصفحات تبين لنا أن الصفحة الواحدة ربما احتوت على نصين، فإذا ما أضفنا إلى ذلك صغر حجم الصفحة تأكدنا كيف جاءت النصوص قصيرة من حيث البناء والحجم.
– الملاحظة الثانية التي تقع عليها عيوننا مباشرة هي عناوين هذه النصوص، فقد حرص الكاتب على أن يكون العنوان مفردة واحدة فيما عدا تسعة نصوص جاءت مكونة من كلمتين مضافتين إلى بعضهما مثل حديد ودم، واللقاء المنتظر، وقزم ونخلة، وموت الحارس، وخولي الأنفار وغزل صريح، إلى آخر هذه العناوين المكونة من مفردتين، ودلالة ذلك أن الكاتب يمهد القارئ لنصوص قصيرة وليس قصر عنوانها إلا دليلًا ناصعًا على ذلك، ودلالة أخرى مؤداها أن الكاتب يعي وعيًا تامًا بطبيعة نصوصه التي وصفها بالقصر، فكيف يتأتى له أن يجعل عناوين قصصه طويلة؟
– الملاحظة الثالثة التي تستدعي الانتباه، هي: حرص الكاتب على بداية نصوصه (أغلبها) بفعل، أما ماضي وهو الفعل الذي وقع عليه اختيار الكاتب في معظم نصوصه وقليل منها جاء فعلًا مضارعًا مثل نص (شكوى) الذي بدأ بالفعل يخرج ونص (جبل) الذي بدأ بالفعل يهطل وهما النصان الوحيدان اللذان بدأ بفعل مضارع.
ودلالة ذلك ما تحدثنا فيه من قبل بخصوص ضيق المساحة التي يتحرك فيها الكاتب وهي لا تسمح له بتمهيد أو وصف ولذا حرص الكاتب أن يضع القارئ في قلب الأحداث مباشرة بفعل يعطي الإحساس بالحركة ومن ثم يشعر القارئ كأنه كان مندمجًا في أحداث سابقة أشار إليها الكاتب من طرف خفي عبر البداية بفعل وكأنه يقول أنا أستكمل معك الحكاية، انظر مثلًا في بداياته المختلفة بأفعال مثل وضع، سحرته وأزعجه، ورمى وتعطل ورن ومشى وأطلق وأوقفني، إلى آخر هذه الأفعال التي تجعل القارئ يتساءل بأداة استفهام مثل من؟ أو متى؟ أو ما؟ كان الفعل لم يكن إلا إشارة من الكاتب يحث بها قارئه على استكمال الحكاية، لا وقت كي نهدره، هيا بنا فنحن في قلب الأحداث.
القصة القصيرة جدًا
ذكرنا أن القصة القصيرة جدًا لا تتبع آليات عمل الرواية أو القصة القصيرة فى استعانتهما بالشخصية التي يسعى الكاتب لتجسيدها ووصفها وتحليلها بل تعتمد على حدث ما فيكون هو بؤرة اهتمام الكاتب ومن ثم يكون محل اهتمام القارئ، ولا تكون الإشارة إلى البطل أو الشخصية إلا عن طريق الإشارة التي تساهم في تجسيد الدلالة التي يهدف إليها الكاتب، وهذا ما وجدناه في هذه النصوص، لم نعثر على شخصية واضحة المعالم فيزيقيا ولا نفسيًا، ولذا ليس مستغربًا أن تخلو المجموعة من أسماء محددة للأبطال وهنا لابد أن نشير إلى اكتفاء الكاتب بذكر وظيفة البطل مثل قوله “أطلق الحكم صافرة البداية” و”أوقفني السائق” و”مات الحارس” و”رحل خولي الأنفار” و”رمى السجينتان” و”كتب الأستاذ” و”أخبرني الرجل الطاعن في السن” و”مشت الحسناء” و”ماتت زوجة العمدة” إلى آخر هذه الوظائف أو الصفات الوظيفية للبطل، وقد كان الكاتب محنكًا إذ بدأ بأفعال الحركة متبوعة بصفات البطل الوظيفية مما أهّل القارئ لتصور الموضوع الذي سيطرحه الكاتب، لسنا إذن في حاجة لمعرفة اسم البطل أو رسمه، لقد أدركنا وظيفته وذلك كاف جدًا في القصة القصيرة جدًا.
– وإذا كان الكاتب قد استحضر البطل كشخصية نكاد نعرفها عبر وظيفتها فإنه قد اتكأ على استحضار شخصيات لا نكاد نعرف عنها شيئًا لأنه ببساطة حدثنا عن ضمير الغائب وليس عن بطل حاضر مثل قوله “مشى متثاقلًا” و”جاء وطفلته” و”وقف على الرصيف” و”رفع رأسه إلى المرآة” و”أنزلته العربة” و”ظللته سحابة” إلى آخره من النماذج التي استحضر فيها الكاتب بطلًا لا نعرفه ولا نعرف وظيفته، ببساطة لأن لا وظيفته ولا اسمه سيفيد في إدراك الدلالة.
وعلى صعيد آخر اختار الكاتب الأشياء من الجمادات لتكون أبطالًا مثل قوله “أزعجه رنين لا ينقطع” و”تعطل المصعد” و”رن الهاتف” و”تأخرت الطائرة” و”غابت الشمس” و”تمدد الطعام” و”ضربه نسيم عليل” و”تمطى البحر” و”عاندته السمكة” و”دارت المروحة” إلى آخره من النماذج التي ارتأى الكاتب أن يبدأ قصته بها من حيث هي جمادات غير عاقلة، ودلالة ذلك أن الكاتب يتساوى عنده أن يكون البطل إنسانًا أو جمادًا ما دام نظره وتركيزه منصب على الحدث الذى سيتولد منه الدلالة النهائية.
وهنا لا بد أن نشير إلى أن القصة تكاد تكون قد حددت موضوعها بناءً على وظيفة البطل أو طبيعة الجماد الذي بدأ الكاتب به قصته، فعندما يقول مثلًا ضربه نسيم عليل فليس من شك إنك تتصور شخصًا ما وقد مسه نسيم عليل، وربما امتد التصور إلى حديقة غناء ستكون مسرحًا للقصة، وربما ترتب على ذلك أنواعًا من الفواكه فوق أشجارها، أليس كذلك؟
إذن كأن الكاتب نقلنا مباشرة إلى الأحداث وحدد مسرحها وأطر موضع قصته بجملة واحدة افتتح بها نصه، إنها مهارة لاعب السيرك الذي حدثتكم عنه، يسير حافي القدمين على حبل رفيع متوازنًا لا يهتز، وكذالك فعل كاتبنا بحرفية شديدة.
وجدير بالذكر هنا أن القصة القصيرة جدًا تبدأ بلحظة الأزمة، التي يحددها الكاتب في مستهل قصته، لأنها- أى القصة القصيرة جدًا- ليست محلًا للاسترسال أو الفضفضة أو الوصف.
قلنا إن كل قصة تخلو من الحكاية لا يعول عليها، فإن الحكاية هي جوهر القصص، فلولا الحكاية ما كانت القصص.
ونفهم أن الحكاية مستطاعة في نص طويل نسبي، فكيف توجد الحكاية في نص قد يكون حسابه بالكلمات وربما بالحروف ولا أقول بالأسطر والصفحات؟
الحق أن القصة القصيرة جدًا لا تخلو من حكاية، لكنها حكاية مجردة تأتي كأنها إشارة من الكاتب للقارئ أن يتخيلها كلها بناءً على هذه الإشارة، وليست الإشارة سمة للحكاية في القصة فقط بل هي سمة كل ما يتعلق بالقصة القصيرة جدًا.
وفي هذه المجموعة البديعة لم يخل نص من حكاية ما، يعطينا الكاتب طرف خيطها ونكمل نحن ما استطعنا إليها سبيلًا، لكنها حكاية الإشارة وليست حكاية الإسهاب والاستفاضة، فعلى سبيل المثال في قصة “نعش” يقول الكاتب: “بينما تنوح النساء ويمشي الرجال منكسرين، رفرف النعش فوق الأكتاف المكدودة، وأطل رأس الراقد فيه، ثم أطلق ضحكة ارتعدت لها القلوب، وامتلأت العيون بدهشة مذهلة، وبعدها أخرج لسانه وراح يصفع به وجوه السائرين، فتساقطت منه ديدان سوداء، تكاثرت حتى سدت أمامهم الطريق”.
انتهت القصة، والقصة أوردتها مكتملة لم أختزل منها شيئًا، فهل تنكر الحكاية الواضحة فيها؟
على هذا المنوال سار الكاتب في مجموعته، بحيث تحتفظ النصوص بالأدبية من ناحية لغتها ورشاقتها وتقنياتها، وتحتفظ لنفسها من ناحية أخرى بوصفها قصة من حيث أن الحكاية ركن أساسي فيها.
وهنا لا بد أن أؤكد على أمر مهم وهو أن هذا النص الذي قرأناه معًا اتسم بالتكثيف الشديد، فكلماته لم تتخطى أربعين كلمة، ومع ذلك احتفظ لنفسه بكل سمات القصة، من حيث الحكاية، والسرد بلغة أدبية، وعدم الترهل والمفارقة والدهشة، فهو نص مصفى من شوائب الوصف الزائد، وهو مركز بحيث يصعب أن تحذف منه كلمة، وقد ابتعد فيه الكاتب عن التقريرية والمباشرة واكتفى بأن رسم قصته مثل لوحة ووضعها أمام الناظرين، ابتعد فيها عن الوعظ الذي يقع فيه كثير من الكتاب، عندما يبالغون في تلخيص الدلالة.
والسؤال الآن: كيف يختار الكاتب حكاية قصته؟ كيف يقتنص اللحظة والحدث الذي يجعل منه قصة مشحونة بالدلالة؟
الحق أنني أردت أن أبدأ بهذا الأمر في مستهل مقالتي لأهميته الشديدة لكن استلبنا الحديث عن المقارنة بين الأنواع السردية النثرية الثلاثة، وها قد حان الحديث عن الكاتب البرجماتي النفعي، نعم فالكاتب قد يسهل عليه كتابة عمل روائي أو قصصي وقد يستغرق منه أوقاتًا كثيرة، ولكنه في هذه الفترات لا يفوت الفرص السانحة في التقاط المواقف المدهشة، والأحداث الملفتة، فكاميرا رأسه لا تتوقف عن العمل، ولأن المواقف والأحداث التي يراها بل والأفكار والقضايا التي تلح عليه ويريد التعبير عنها، أقول لأن كل ذلك لا يستطيع أن يخلق منه رواية أو قصة قصيرة تقليدية، فإنه يلجأ إلى ذلك النوع الأدبي الرشيق الذي يسمح له بأن يسلك هذه المواقف في عقد بديع، مختلفة ألوان حباته، ويبقى أن الكاتب عبر صياغته مثل “جوهرجي” محترف يخلق من مسحوق الذهب أو ذراته عقدًا نفيسًا.
– إذا كانت البداية في مثل هذه النصوص شديدة الصعوبة لأنه يتوقف عليها نجاح القصة أو الإخفاق فيها، أقول إذا كانت البداية صعبة فإن إنهاء القصة أشد صعوبة، لأنها تتطلب من الكاتب مهارة أخرى، وهي مهارة إتقان صنع المفارقة. إن كلمة الختام أو صورة الختام التي يكتبها الكاتب هي التي تعلق بالذهن، وهي التي تستثير العقل كي يعيد بناء النص واستلهام الدلالة، لذا وجب أن تكون النهاية خاطفة وحاسمة وسريعة وغير متوقعة، ولنا في نهاية قصة نعش النموذج فقد جعل الكاتب نهايتها كالآتي “فتساقطت منه ديدان سوداء، تكاثرت حتى سدت أمامهم الطريق”.
قد كنا نرى الميت في نعشه ونرى مشيعيه فإذا بنا نراه يخرج لسانه وتتسافط منه الديدان، بل وتسد الطريق، هنا ينشط الخيال وتتصارع الأسئلة في رؤس القراء، وتتشكل الدلالة بمعان مختلفة تبعًا لتأويل كل قارئ.
– ووثيق الصلة في القصة القصيرة جدًا التقنيات التي يعمل من خلالها الكاتب وعلى رأس هذه التقنيات تأتي فكرة الثنائية الضدية الثنائية المكانية والزمنية وثنائية الأصل والصورة، والشكل والمضمون، والخير والشر، هذه التقنية التى يتكئ عليها كل كتاب القصة القصيرة جدًا من أجل إيجاد المفارقة التي تتشكل باللعب بالثنائية الضدية.
– قد يظن القارئ أن القصة القصيرة جدًا بوصفها نصًا صغيرًا وفكرة واحدة وقضية واحدة وعقدة واحدة، قد يظن القارئ أن مثل هذا النوع غير قادر على معالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية، وأنا أسارع فأنفي نفيًا تامًا مثل هذه الاتهام وإليك هذا النص بعنوان “كرة.. أطلق الحكم صافرة البداية، لكن اللصوص الذين تسللوا بين المتفرجين سرقوا كل الكرات الموجودة فى الملعب، كانت مباراة حاسمة ولا بد من أن تلعب، فأغمض اللاعبون عيونهم وراحوا يجرون في اتجاهين متعارضين، سقط بعضهم متألمًا، وبعضهم نادى متلهفًا كي تصل إليه الكرة فيودعها المرمى الخالي، وآخرون رفعوا علامة النصر بالفوز المبين، بينما المدرجات تضج بتشجيع يرج الأرض، ويجري السحاب”.
انتهى النص الذي يحتاج إلى تأويلات كثيرة ولست أشك لحظة أن يوافق أحد هذه التأويلات قضية كبرى، قضية إنسانية مثل قضية الجبر والاختيار، مثل قضية الفساد المستشري مثل قضية عبثية الحياة، إذن فرغم قصرها إلا أنها ناقشت قضية كبيرة.
لست في حاجة إلى الإشارة إلى لغة الكاتب البسيطة – وليست السطحية – بسيطة بحيث يفهمها معظم من يقرأ وهي عميقة في الوقت ذاته بحيث لا يستطيع تأويلها إلا أولي العزم من القراء، ولست في حاجة إلى الإشارة إلى أن عدد قصص هذه المجموعة الذي يقترب من الستين بعد المائة وهو عدد لو تعلمون كبير ومع ذلك تستطيع الانتهاء من هذا العدد في بضع سويعات، ولست في حاجة إلى التنبه إلى أن كل نص يحتاج إلى قراءة مستقلة ووقت طويل لهضمه وإعادة استلهام الدلالة، وربما إعادة بناء النص وترتيبه داخل كل نفس قارئة.



















