يعتبر فرع الطب النفسي الغذائي مجالًا متكاملًا يدرس المناخ والغذاء وكيفية تأثير الطعام على الدماغ والمشاعر والسلوكيات، ومدى ارتباطه بحالات مثل الاكتئاب والقلق، وقد سلطت مجلة ZOE الضوء على هذا المجال من خلال بودكاست للعلوم والتغذية، حيث تحدثت البروفيسورة فيلس جاكا، أستاذة الطب النفسي الغذائي ومديرة مركز الغذاء والمزاج في جامعة ديكين، مع جوناثان وولف، المؤسس المشارك لمجلة ZOE، عن العلاقة المعقدة بين النظام الغذائي والصحة العقلية.

خبراء يوضحون ارتباط المناخ والغذاء والأطعمة التي تعزز الصحة النفسية
واحدة من العناصر الغذائية الأكثر دراسة والمرتبطة بالمناخ والغذاء هي أحماض أوميغا 3 الدهنية، وهي دهون أساسية لا يستطيع الجسم إنتاجها بنفسه وتشكل نحو 20% من وزن الدماغ، وتلعب دورًا مهمًا في وظائف الدماغ، القلب، جهاز المناعة، والصحة العامة.
تشمل هذه الأحماض حمض الإيكوسابنتاينويك (EPA)، حمض الدوكوساهيكسانويك (DHA)، وحمض ألفا لينولينيك (ALA).
وفق دراسة أجرتها الجمعية الدولية لأبحاث الطب النفسي التغذوي، فإن مكملات أوميغا 3، وخصوصًا EPA وDHA، قد تساعد في تحسين أعراض الاكتئاب، وربما تمنع ظهوره لدى الأشخاص الأكثر عرضة له، خصوصًا من يعانون اضطراب الاكتئاب الشديد.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الأشخاص الذين لا يعانون من تشخيص سريري سيستفيدون أيضًا.
يمكن الحصول على أوميغا 3 من الأسماك الدهنية مثل السلمون، الرنجة، الأنشوجة، إضافة إلى بذور الشيا والجوز وبذور الكتان وزيتها، وهي مصادر طبيعية تدعم الصحة العقلية.
نرشح لك: لتعزيز جهاز المناعة في الصيف.. نصائح خبيرة التغذية نرمين السمري لـ«الحرية»
أظهرت الدراسات أيضًا أن صحة الأمعاء تلعب دورًا محوريًا في المزاج والسلوك.
يحتوي الجهاز الهضمي على جهاز عصبي خاص به يعرف باسم الجهاز العصبي المعوي، ويتصل مباشرة بالدماغ عبر ما يسمى محور الأمعاء والدماغ.
هذا الارتباط يوضح كيف تؤثر تريليونات البكتيريا الموجودة في أمعائنا، والمعروفة باسم الميكروبيوم المعوي، على طريقة تفكيرنا وشعورنا.
وأشارت دراسة كورية شملت أكثر من 25,000 شخص إلى أن الأشخاص الذين تناولوا أكبر كمية من الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك، مثل الخضروات المخمرة ومنتجات الألبان المخمرة والزبادي والكفير والكيمتشي، سجلوا درجات اكتئاب أقل بكثير من أولئك الذين تناولوا أقل كمية وهذا يعني ارتباط وثيق بين المناخ والغذاء.
وبينت هذه النتائج أن البروبيوتيك، على الرغم من أنها ليست علاجًا سحريًا، يمكن أن تدعم صحة الأمعاء وبالتالي تحسين الصحة النفسية.
تلعب مضادات الأكسدة أيضًا دورًا هامًا في الصحة العقلية من خلال مكافحة الإجهاد التأكسدي الناتج عن الجذور الحرة، والتي يمكن أن تلحق الضرر بالدماغ وتزيد من أعراض الاكتئاب.
دراسة تحليلية شاملة أجريت عام 2017 شملت 21 دراسة تناولت أنماطًا غذائية صحية غنية بمضادات الأكسدة، وخلصت إلى وجود علاقة بين زيادة تناول مضادات الأكسدة وانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب.
كما أظهرت دراسة أخرى أجريت عام 2019 على 175 امرأة في مرحلة انقطاع الطمث أن تناول نظام غذائي غني بمضادات الأكسدة أدى إلى انخفاض ملحوظ في درجات القلق والاكتئاب.

وفي دراسة طولية حديثة شملت حوالي 15,000 بالغ في البرازيل، وجد الباحثون أن ارتفاع إجمالي تناول مضادات الأكسدة مرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب، ما يعزز أهمية هذه المركبات الغذائية في دعم الصحة العقلية.
نرشح لك: تحذير طبي في عيد الفطر المبارك.. خبراء التغذية يوضحون أضرار الكحك والبسكويت| الهضم والمعدة الأبرز
الألياف الغذائية تلعب دورًا رئيسيًا أيضًا، فهي تعمل كغذاء للبكتيريا الجيدة في الأمعاء، ما يدعم الميكروبيوم المعوي ويؤثر بشكل إيجابي على الدماغ والمزاج.
وقد أظهرت دراسة تحليلية أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب يستهلكون كميات أقل من الألياف، بينما الأشخاص الذين يتناولون المزيد من الألياف لديهم احتمالات أقل للإصابة بالاكتئاب.
كما بينت دراسة أخرى أن زيادة 5 غرامات يوميًا من الألياف ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 5%.
وتشمل المصادر الغنية بالألياف الخضروات، الفواكه، الحبوب الكاملة، المكسرات والبذور، الأعشاب والتوابل، والبقوليات، ما يجعل النظام الغذائي المتوازن أساسًا لدعم الصحة النفسية.
البوليفينولات هي مركبات نباتية موجودة في مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، وتتميز بخصائص مضادة للأكسدة والالتهابات، ويمكن أن تفيد الصحة العقلية وصحة الأمعاء والدماغ والقلب.
وأظهرت مراجعة أجريت على 19 دراسة أن مكملات البوليفينول قد تحسن الاكتئاب، إلا أن تأثير المكملات قد يختلف عن تناول الأطعمة الغنية بهذه المركبات.
دراسة عشوائية مضبوطة أجريت عام 2020 أظهرت أن الأشخاص الذين اتبعوا نظامًا غذائيًا غنيًا بالبوليفينول لمدة ثلاثة أشهر، مع ست حصص يومية من الفواكه والخضروات وحصة واحدة من التوت و50 غرامًا من الشوكولاتة الداكنة يوميًا، شهدوا تحسنًا ملحوظًا في أعراض الاكتئاب وفقًا لمقياس التقييم الذاتي.
حتى القهوة، التي تحتوي على الكافيين ومضادات الأكسدة، يمكن أن تؤثر على المزاج بشكل إيجابي عند البعض. مراجعة شملت 11 دراسة أظهرت ارتباطًا بين زيادة تناول القهوة والكافيين وانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب، عند استهلاك ما بين 68 و509 ملليغرام يوميًا، بينما مراجعة أخرى شملت 12 دراسة أكدت أن التأثير الوقائي الأكبر يكون عند شرب 400 ملليلتر من القهوة يوميًا.
ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن الإفراط في تناول القهوة قد يؤدي إلى القلق والأرق، لذا يُنصح بالاعتدال بما يتناسب مع كل شخص.
تؤكد الأبحاث أن اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن يعزز المزاج ويقلل من أعراض الاكتئاب، خاصة الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة النباتية، مثل النظام الغذائي المتوسطي الذي يشمل الخضروات، الفواكه، المكسرات، البذور، الحبوب الكاملة، البقوليات، والدهون الصحية مثل زيت الزيتون والأفوكادو.
دراسة بعنوان “دعم تعديل نمط الحياة في حالات انخفاض الحالة العاطفية” أظهرت أن التحول إلى نظام غذائي صحي أدى إلى اختفاء الاكتئاب لدى 32% من المشاركين بعد 12 أسبوعًا، مقارنة بـ 8% في المجموعة الضابطة، ما يعكس قوة الغذاء في دعم الصحة العقلية.
نرشح لك: خبيرة تغذية لـ”الحرية”: 7 قواعد هامة لحماية الأيتام من شبح سوء التغذية



















