شهدت الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، برئاسة المستشار عصام فريد، نقاشًا موسعًا اتسم بـ”الجدل البناء” حول مشروع قانون تعديل أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، في ظل توافق عام على أهمية دعم أصحاب المعاشات، مقابل تباين في الرؤى بشأن آليات تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الاستدامة المالية للمنظومة.
وتصدرت المطالبات بضرورة وضع حد أدنى للمعاشات، وربط زياداتها بمعدلات التضخم الفعلية، مناقشات الأعضاء، إلى جانب التأكيد على أن المعاش “حق أصيل” للمواطن وليس منحة، مع التشديد على أهمية فك التشابكات المالية التاريخية مع الخزانة العامة لضمان حقوق الأجيال المقبلة.
حد أدنى للمعاشات وربطها بالتضخم
وفي هذا السياق، طالب اللواء أحمد العوضي، وكيل مجلس الشيوخ، بضرورة إقرار حد أدنى لأصحاب المعاشات، أسوة بما يتم تطبيقه على الأجور، مؤكدًا أن التعديلات المقترحة تسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة مع ربط الزيادة السنوية بمعدل التضخم، بما يضمن حياة كريمة لأصحاب المعاشات.
وأشار إلى أن سداد المديونية المستحقة لصالح وزارة المالية على أقساط سنوية من شأنه دعم صندوق التأمين الاجتماعي وتمكينه من الوفاء بالتزاماته.
“استحقاق لا منحة” ودعم للاستدامة المالية
من جانبه، أعلن النائب محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية بمجلس الشيوخ، موافقة الحزب من حيث المبدأ على مشروع القانون، مؤكدًا أن التأمينات الاجتماعية تمثل “استحقاقًا أصيلًا” للمواطن الذي أفنى سنوات عمره في العمل، وليست منحة.
وأوضح أن مشروع القانون يتضمن مزايا متعددة تعزز استقرار النظام التأميني وتحقق الأمان للمستقبل، مشددًا على ضرورة تكاتف الجهود لضمان استدامة المنظومة، مع المطالبة بتخصيص باب مستقل لهذا الملف.
مظلة أمان لمواجهة التضخم
بدوره، وصف النائب الدكتور جمال أبو الفتوح التعديلات بأنها خطوة مهمة لدعم أصحاب المعاشات في مواجهة موجات التضخم، موضحًا أنها تستهدف توفير السيولة النقدية اللازمة لتمكين هذه الفئة اقتصاديًا واجتماعيًا، في إطار توجه الدولة لـ”رد الجميل” لكبار السن.
وأشار إلى أن التعديلات تركز على إعادة ضبط التوازن المالي للمنظومة، وضمان استدامتها، مع معالجة التشابكات المالية مع الخزانة العامة، بما يعزز قدرة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي على الوفاء بالتزاماتها.
وأضاف أن المشروع يحقق معادلة متوازنة بين قيمة المعاشات وحجم الاشتراكات، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي، لافتًا إلى تطبيق زيادة سنوية مركبة تبدأ بنسبة 6.4% وتصل إلى 7% بحلول 2029، إلى جانب ضخ مليار جنيه سنويًا لمدة خمس سنوات لدعم الملاءة المالية لصناديق التأمينات.
تحذيرات من تآكل القيمة الشرائية
في المقابل، حذر النائب ناجي الشهابي من استمرار تآكل القيمة الحقيقية للمعاشات، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن فقط في نصوص القانون، بل في عدم مواكبتها للمتغيرات الاقتصادية.
وأوضح أن تراجع قيمة الجنيه خلال السنوات الماضية انعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية للمعاشات، مشيرًا إلى أن التقديرات تشير إلى انخفاضها بنحو 600%، وهو ما يستدعي – بحسب قوله – إعادة النظر جذريًا في آليات الزيادة الحالية.
وشدد على ضرورة ربط المعاشات بمعدلات التضخم الفعلية، ورفع حدود الزيادة، مع تحميل الخزانة العامة مسؤوليتها في تعويض التآكل الذي لحق بالقيمة الحقيقية للمعاشات، محذرًا من اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة حال استمرار الوضع الراهن.
وبين تأكيدات حكومية وبرلمانية على أهمية تحقيق التوازن بين حقوق أصحاب المعاشات واستدامة الموارد، وتحذيرات من تآكل القيمة الشرائية، تبدو تعديلات قانون التأمينات أمام اختبار حقيقي لتحقيق معادلة صعبة: إنصاف الملايين من أصحاب المعاشات اليوم، دون الإخلال بحقوق الأجيال القادمة غدًا.



















