غياب الأحبة تحت الثرى جعلنا نفتقد روحانيات العيد التي عايشناها منذ طفولتنا، وجعل الكثير منا يردد “العيد مابقاش عيد زي زمان من غير بابا أو ماما أو فلان” ولكن عند هذه النقطة تذكرت قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ” صدق الله العظيم، وهنا كان عليا تعظيم شعائر الله والاحتفال بالعيد رغم غياب والدي منذ ١٤ عام والذي جعل كل فرحة تدق بابنا ناقصة.
وأنت أيضا لا تجمع أحزانك في هذا اليوم مهما كانت ظروفك واصل كل ما أحاطك من أمور، وافتح لقلبك نافذة الفرح بالتكبير والتهليل والتحميد.
أتذكر جيدًا تفاصيل وكأنه لم يمر عليها أكثر من ٢٥ عامًا عندما كنت طفلة إذ كان يصطحبني أبي معه لصلاة العيد وكنت أصلي وسط الرجال “إذ كانت والدتي منشغلة في تجهيز الإفطار” عقب انتهاء صلاة العيد كانوا يوزعون مئات البلالين على الأطفال المتواجدين في ساحة الصلاة وكنت أحس وقتها أن البالونة التي يتم توزيعها وقت صلاة العيد لها فرحة عارمة غير التي يشتريها لي والدي ولذلك كان أبي يغامر في الهواء للحصول على البالونة التي اختارت لونها مستغلة طول والدي فلم أكن أعلم أن الأمر صعب حيث يتدافع الكثير للحصول على البالونات باحثين عن فرحة أبنائهم ولكن كان دائما أبي هو البطل الفائز وبالفعل هو بطل حياتي في حياته وبعد مماته فما زالت سيرته الطيبة تغمرني في كل مكان ومع كل شخص يقابلني وكان يعرفه وهذا ما يخفف عني حدة فراقه القاتل.
وعقب التقاطه البالونة كان يحتضنني ويحملني بين ذراعيه ويسألني بعيون مليئة بالحب والسعادة .. مبسوطة؟ فما كان مني وقتها سوى أن أتعلق برقبته وأقبله فيحملني ونذهب في اتجاه البيت وقبل الوصول كان لابد أن يشتري لي الحلوى التي أحبها وشيبسي كرانشي بنكهة الطماطم وليس فقط الحلوى بل كنت أحب أن أشتري مسدس المياه الذي كان له فرحة ذات مذاق خاص والتي مازلت أحب تلك اللعبة حتى الآن ومن ثم نصعد لنتناول الإفطار مما لذ وطاب فأمي طباخة ماهرة وأبي كان يعشق كل ماتصنعه بأيديها.
عقب الإفطار نبدأ في ارتداء الملابس الجديدة حيث كان أبي يحرص دائما على شراء الملابس الجديدة في العيد ومن بينهم “كوتشي أميجو اللي بينور” وعقب ارتدائي أنا وأختي الأكبر وأخي يبدأ في توزيع العيديات إذ كانت أول عيدية أحصل عليها من حبيبي وهذه العادة توارثها أخي الذي يكمل مسيرة أبي في هذه العادة ليكون أول شخص بحياتي أحصل منه على العيدية ثم نتجه لزيارة جدي وجدتي رحمهم الله.
بعد العودة نتجه إلى جدتي وأقارب أمي إذ كانوا يقطنون بالقرب من مقر عمل أبي وكان بجوار عمله أيضا حديقة أطفال بها نسناس وسلحفاة وثعلب فكنت أذهب معه لمقر عمله أنا وأخي للاستمتاع بمشاهدة النسناس الذي كان من أحب الحيوانات إلى قلبي وقتها وحتى الآن ولكنه كان لا يتركني كثيرا بتلك الحديقة خوفا عليا رغم وجود أخي معي ولكنه كان كثير القلق علينا في حين أن أختي الكبرى كانت تميل للهدوظ ولا تفضل مثل هذه الفسح .
الأزمة الحقيقية كانت تعلق أبي بنا وتعلقنا الزائد به فقد كان أبي مرتبط بنا ارتباط شديد وقليل الخروج من المنزل سوى للعمل وكان كل شخص في الأسرة تختلف معاملة “بابا” له كا على حسب سنه فقد كان شخصا ديمقراطيا ويستمع للصغير والكبير في رأيه، أما عن أمي أتذكر صوت أبي دائما وهو يناديها وكنت أٌسرع إليه قائلة “محتاج حاجة يا بابا” فيبتسم لي ويطبطب عليّ ويجاوبني سلامتك إذ كنت أتعجب من هذا الموقف ولكني أعلم مدى حبه لها وهي بالفعل تستحق.
أكثر تفاصيل حياة أبي معنا وصندوقه الأبيض مع أمي “وأرفض ذكر كلمة الصندوق الأسود لأنه كان نقي القلب وحنون للغاية وأعتقد أنه لم يخطيء أبدا بحياته رغم أن الإنسان خطاء إلا أن أبي كان ملاكا طيب القلب” ولذلك كان رحيله صدمة كبيرة لدينا لقد غاب الأمان والاطمئنان وغابت الفرحة في المناسبات.
أكتب هذا المقال ودموعي تملأ عيناي وأنا أفتقد أبي في مثل هذه الأيام إنه عيد الأضحى وأعتذر كثيرا عن أن حزني أثر كثيرا على كلماتي، ولكني أحاول أن أحول ذكرياتي مع والدي الحبيب إلى فرحة وسعادة رغم حرقة قلبي من الفراق وأستمر في الدعاء له حتى أعظم شعائر الله كما أمرنا سبحانه وتعالى .
أختتم كلامي هذا بشعور مختلط بين الفرحة بالعيد وتذكري لكل شيء ضحى به أبي لأجل أن يرى ابتسامتي يوما ما ولكن شعوري لافتقاد حضنه يغلبني ولكن أعلم أنه يحس بي ويعلم مدى اشتياقي له ويتمنى أن أكون بخير لذا أنا أعدك يا أبي سأكون بخير من أجلك لحين أن ألقاك كما أعدك أنني سأحاول أن أفعل في العيد كل ما علمتني بما فيها ترديد تكبيرات العيد على مدار أيامه.. رحمك الله يا أبي.





















