بعد مرور نحو عشر سنوات من حُكم السلطان قايتباي، بدأت القلاقل في أطراف الدولة، فكانت المواجهات العسكرية قائمة، وكان الصراع مُحتدمًا، بين المتمرد على الدولة “سيف آل فضل” أمير الشام، و”أزدمر” أمير حماة الذي قُتِل في إحدى تلك المواجهات، وقُتِل معه العديد من أمراء حماة.
عندما عَلِم السلطان بذلك، أرسل حملة عسكرية لتأديب أمير الشام بقيادة الأمير “يشبك من مهدي”(1)، الذي وصفه بن إياس بأنه كان أميرًا جليلًا مُعظَّمًا، راجح العقل، وكان يتمتع بكلمة نافذة، ولديه سعة من المال، وإجتمع فيه من الوظائف العليا مثل الدوادارية الكبرى، وإمرة السلاح، والوزارة حتى صار صاحب الحَل والعقد بالدولة المصرية.
وكان اختيار السلطان للأمير “يشبك” تحديدًا لقيادة الحملة العسكرية، مدفوعًا برغبته في كسر شوكة أمير الشام المتمرد، والقضاء على فتنته بلا رجعة، لضمان إحكام السيطرة على الحدود الشمالية للدولة، مع تنامي أطماع العثمانيين المتأهبين للغزو.
ومَن لَها غير الأهم من بين الأمراء والأكثر حكمةً وشجاعة، مَن لَها غير الأمير “يشبك”.
يروى لنا بن إياس، أنه لما وصل الأمير “يشبك” بجنوده إلى حلب، عَلِم أن المتمرد سيف آل فضل، قد هرب بجنوده شمالًا إلى “الرُها”(2)، فإزاد حماسه وقَويَ عزمه، وقرر مطاردة المتمرد في أي مكان يذهب إليه، للقضاء نهائيًا عليه.
وصل يشبك للرُها وحاصرها بجيشه، فأرسل له حاكمها ،وكان يُسمى “باينذُر”، تعهدًا بالقبض على المتمرد آل فضل وتسليمه، كما تعهد له بدفع أموال كثيرة، شريطة رحيل يشبك عن المدينة.
إغتَرّ يشبك لِكثرة جنوده وقوة أسلحتهم، ولعبت برأسه أحلام المجد، فقرر خوض المعركة طمعًا في الإستيلاء على الرُها، كي يزحف منها إلى العراق، بالمخالفة لتعليمات السلطان، ليدفع ثمن ذلك غاليًا، أو كما قال بن إياس عن أحد الشعراء:
وكَم مِن طَالبٍ يسعَى لشيئٍ وفِيهِ هَلاكُهُ لو كَان يدْري
إنتهت المعركة بكارثة كبرى وَصَفَها بن إياس بأنها “كاينَة عظيمة طامة، ومصيبة مَهولة، قَلَّ أن يقع مثلها لعسكر مصر”.
تم أسر يشبك والعديد من أمراءه، وقُتِل عدد لا يحصى من الجنود لدرجةٍ يقول عنها بن إياس أن حوافر الخيل كانت لا تطأ إلا على جثث القتلى من الجنود، بَقِيَ يشبك في الأسر لثلاثة أيام، ثم أرسلوا له من قتله، وقطع رأسه وأتى بها لحاكم الرُها، لتخسر البلاد المعركة، وتفقد أميرًا جليلًا مُعظَّمًا كما وصفه بن إياس.
حِتَّة مِن مَوّال
جَت عليك أيام بِعَكس العَكْس
للي كائن قَبلها وبعدَها
اللي ما بيعرفش بيقول عَدْس
واللي يعرَف عَدس واللي إنتَهَى
(1)صاحب الآثار الخالدة بمنطقة حدائق القبة، التي أُطلِق عليها هذا الإسم نسبة للقبة الشهيرة التي شيدها. ويقال له “مِن مهدي” وليس “بِن مهدي” كما يقول البعض، لأنه قد تم شراؤه من تاجر رقيق إسمه مهدي.
(2)هي مدينة تقع في جنوب شرق تركيا، ويطلق عليها حاليا إسم “أورفا”.





















