يروى لنا بن إياس، أنه بعد ثلاث سنوات من تولي السلطان الأشرف قايتباي حُكم مصر، كثر القيل والقال بين المشايخ بالقاهرة في أمر الشيخ عمر بن الفارض، إذ إعترض عليه جماعة من المشايخ بسبب أبيات قالها في قصيدته المعروفة “بالتائية”، فصرَّحوا بفِسقِه، بل وتكفيره، ونسبوه إلى من يقول بالحلول والإتحاد، فلم يفهموا مقصده، وأخذوا الأبيات بظاهرها.
كان على رأس مجموعة المعترضين: الشيخ برهان الدين البقاعي وهو مُفَسِرٌ ومؤرِخٌ شافعي من مواليد سهل “البقاع” بلبنان وإليه ينُسب إسمه، بينما كان الشيخ جلال الدين الاسيوطي من المجموعة التي دافعت عن بن الفارض، فألَّف كتابًا أسماه: “قمعُ المُعارِض في الرَدّ عن إبن الفارض”، وألّف الشيخ محمد الحصكفي كتابًا أسماه: “ترياق الأفاعي في الرَدّ على الخارج البقاعي”.
وُلِد أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي في مصر، وسُمي بإبن الفارض نسبةً إلى عمل أبيه الذي كان شيخًا جليلًا يكتب “الفروض” للنساء على الرجال، والفروض هي الأنصبة الشرعية للنساء في التَرِكات. ولُقِب بن الفارض “بسلطان العاشقين”، وله قصائد شهيرة قام الشيخ ياسين التهامي بغناءها.
سافر بن الفارض إلى مكة لقضاء فريضة الحج، وأقام هناك لحوالي خمسة عشر عامًا إعتزل فيها الناس متأمِلًا في الكون، ثم عاد إلى مصر لينشد قصائده التي أثارت الجدل ومازالت.
وأنا هنا لست بصدد عَرضِ إلا ما يرتبط بحكاية المعركة الكلامية من أحداثٍ عَامةٍ داخل السياق التاريخي الذي رواه لنا بن إياس، دون الخوض في تقييم أسانيد طَرَفَيّ تلك المعركة.
يقول بن إياس أن بعض الأمراء قد إنحازوا لابن الفارض، بل وإنحاز له السلطان أيضًا، فكتب رسالة إلى قاضي القضاة الشيخ زين الدين زكريا الشافعي، يسأله عن رأيه فيمن قال بكُفر وفساد عقيدة بن الفارض وهل يُحمَل كلامه على إصطلاح أهل طريقته، أم على إصطلاح أهل مِلّة غير الإسلام.
كان رَدّ قاضي القضاة الشافعي درسًا للأجيال، أنقله نصًا مما ذكره بن إياس: “وقد يصدر عن العارف بالله إذا إستغرق في بحر التوحيد والعرفان، بحيث تَضمَحِلُّ ذاته وصفاته في صفاتِه، ويغيب عن كل ما سواه، عباراتٍ تُشعِرُ بالحلول والاتحاد، لقصور العبارة عن بيان حالته التي يُرقى إليها، كما قال جماعة من علماء الكلام، ولكن ينبغي كتم تلك العبارات عن من لم يدركها، فما كل قلبٍ يصلح للسرّ، ولا كل صَدَفٍ ينطَبِق على الدُرّ، ولكل قومٍ مقال، وما كلُ ما يُعلَم يقال، وحَقَّ لمن لم يدركها عدم الطعن فيها.”
فخمدت الفتنة بِرَدّ قاضي القضاة، وإنتهى كلام بن إياس.
مما يجدر ذكره قبل الختام، أن هذه المعركة الكلامية، قد حدثت بعد وفاة الشيخ عمر بن الفارض بمائتي وثلاث وأربعين عامًا!
حِتَّة مِن مَوّال
تحت السَما الواحدة الأغاني الواحدة
واخِد عليها وإلا هِيَ الواخدة
عليَّ ومصاحباني مِن ألف عام
مَوَّالها قال السقف من رِيش نَعَام
ضِحكِتها صاحية رَدِّت المَصروع
قُلِّتها للعطشان، وأما الجوع
شِباكها جَلاَّب الهَوى والطَعَام
والليل حِنَيّن ع اللي قال يا ليل
والعاشقين يا سِيْدِي يا إبن الفَارِض
عَايشين بِقُدرة من الحنان الفَايض




















