في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه “أوقف سبع حروب لا تنتهي خلال سبعة أشهر”، في إشارة إلى جهوده في السياسة الخارجية.
هذا التصريح أثار موجة من الجدل، حيث تساءل المتابعون: ما هي هذه الحروب؟ وهل فعلاً كان للولايات المتحدة دور مباشر في إنهائها؟ وهل انتهت بالفعل؟ هذا التقرير يستعرض كل حالة من النزاعات التي أشار إليها ترامب، ويرصد مدى صحة هذا الادعاء.
الصراع بين إسرائيل وإيران
العلاقة بين إسرائيل وإيران متوترة منذ عقود، وتشهد مواجهات غير مباشرة تشمل الهجمات السيبرانية، الضربات الجوية في سوريا، والخلاف النووي. خلال إدارة ترامب، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وفرضت عليها عقوبات صارمة، وعلى الرغم من أن ترامب دعم إسرائيل بشكل غير مسبوق، فإن التوتر مع إيران لم ينخفض، بل تصاعد في عدة مناسبات، بما في ذلك اغتيال قاسم سليماني وتصعيدات حدودية في سوريا ولبنان لا توجد وثائق أو اتفاقيات تشير إلى أن الحرب التي لم تكن رسمية أصلًا قد انتهت أو تم تسويتها.
النزاع بين الهند وباكستان
الهند وباكستان تخوضان نزاعًا طويلًا حول إقليم كشمير، وقد شهدتا مواجهات عسكرية في 2019 كادت تتطور إلى حرب شاملة، ترامب عرض الوساطة بين البلدين، وأدلى بتصريحات حول “قرب اندلاع حرب نووية” لولا تدخله، وفق قوله، غير أن الحكومة الهندية نفت أي وساطة أمريكية، مؤكدة أن أي تهدئة تمت كانت نتيجة قنوات دبلوماسية ثنائية. لذا، لا يوجد دليل قاطع على أن إدارة ترامب لعبت دورًا حاسمًا في إنهاء نزاع فعلي.
اقرأ أيضًا: بعد تعطل جهاز التلقين.. ترامب: من يشغّل الجهاز سيكون في ورطة كبيرة
التوتر بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطي
منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا شهدت صراعات مميتة منذ التسعينيات، لاسيما بسبب الميليشيات المسلحة والاتهامات المتبادلة بين رواندا والكونغو. لا توجد مؤشرات واضحة على تدخل أمريكي مباشر في هذا الملف خلال فترة ترامب، وإن وُجد أي تحرك، فقد يكون عبر قنوات دبلوماسية غير علنية أو عبر الأمم المتحدة. التوترات بين البلدين لا تزال قائمة حتى اليوم، ما ينفي الادعاء بإنهاء الصراع.
النزاع بين أرمينيا وأذربيجان
تفجر النزاع بين أرمينيا وأذربيجان مجددًا في 2020 حول إقليم ناغورنو كاراباخ. الحرب استمرت لأسابيع وأودت بحياة آلاف، وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار برعاية روسيا، بينما لعبت تركيا دورًا داعمًا لأذربيجان، الولايات المتحدة لم تكن طرفًا فاعلًا في هذا الاتفاق، ولم تُسجّل أي وساطة مباشرة لترامب أو وزير خارجيته. لذا، يُعتبر الزعم بإنهاء الحرب في هذا السياق غير دقيق.
الخلاف بين تايلاند وكمبوديا
هذا النزاع، إن وُجد، كان يتمثل في توترات حدودية قديمة تعود لعقود، خاصة حول منطقة معبد “بريا فيهير”. إلا أن هذه التوترات لم تكن صراعًا عسكريًا نشطًا في فترة حكم ترامب، ولم تُسجّل مواجهات مسلحة جدية بين البلدين.
كما لا يوجد دليل على تدخل أمريكي مباشر في تسوية أي خلاف. ولذلك، فإن إدراج هذا النزاع ضمن قائمة “الحروب التي تم إنهاؤها” لا يبدو منطقيًا.
الخلاف بين مصر وإثيوبيا
يدور النزاع بين مصر وإثيوبيا حول بناء “سد النهضة” على نهر النيل، الذي تخشى مصر من تأثيره على حصتها من المياه. استضافت إدارة ترامب مفاوضات ثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا في واشنطن، لكنها انهارت بعد انسحاب إثيوبيا. بل إن ترامب نفسه أدلى بتصريحات مثيرة للجدل حين قال إن مصر “قد تفجر السد”، مما فُسر على أنه تأجيج للنزاع. في الواقع، لم تنجح هذه الوساطة، ولا يزال النزاع قائمًا دون حل نهائي.
النزاع بين صربيا وكوسوفو
يُعد هذا النزاع من أكثر الحالات التي يمكن القول إن إدارة ترامب كان لها دور نسبي فيها. في عام 2020، تم التوصل إلى اتفاق اقتصادي بين صربيا وكوسوفو برعاية أمريكية في البيت الأبيض، شمل بعض عناصر التطبيع التجاري والاتصالات. رغم ذلك، لم يكن الاتفاق سياسيًا شاملًا ولم يؤدِ إلى اعتراف صربيا بكوسوفو، الصراع لم يُحل نهائيًا، لكنه شهد تهدئة محدودة يمكن اعتبارها نجاحًا جزئيًا.
من صانع السلام لصانع الوهم
بالنظر إلى الحالات السابقة، يتضح أن أغلب النزاعات التي تحدث عنها ترامب لم تكن حروبًا تقليدية قائمة، بل توترات سياسية أو مواجهات حدودية محدودة. كما أن دور الإدارة الأمريكية – إن وُجد – كان في الغالب غير حاسم أو حتى محدود. بعض النزاعات لم تكن تحتاج إلى “إيقاف”، لأنها لم تكن نشطة عسكريًا، كما هو الحال بين تايلاند وكمبوديا. وفي حالات أخرى، مثل إسرائيل وإيران، التوتر ما زال قائمًا، إن لم يكن قد تصاعد.
طارق البرديسي لـ«الحرية»: ترامب لا يستحق جائزة نوبل.. وسياسته جعلت أمريكا أضحوكة العالم
رغم أن الرئيس ترامب سعى إلى تقديم نفسه كـ”صانع للسلام”، إلا أن معظم الأدلة تشير إلى أن ادعاءه بإنهاء سبع حروب خلال فترة وجيزة لا يصمد أمام التدقيق الموضوعي، باستثناء اتفاق صربيا وكوسوفو الذي يُعد نجاحًا دبلوماسيًا محدودًا لم تسفر تحركاته عن حلول نهائية أو مستدامة للنزاعات المشار إليها.
السياسة الخارجية لا تُقاس بالشعارات، بل بالنتائج الفعلية، والعديد من هذه النزاعات لا تزال قائمة حتى اليوم، مما يجعل من الضروري الفصل بين الخطاب السياسي والحقائق الميدانية.





















