تقرير : ضحى ناصر
في خطوة تتجاوز مجرد التضييق الميداني إلى مرحلة “فرض الحقائق على الأرض“، جاء استيلاء السلطات الإسرائيلية على مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في منطقة قلنديا شمال القدس المحتلة، ليُترجم عملياً توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المباشر بإنهاء وجود الوكالة. هذا التطور لا يمثل مجرد نزاع على مقر أممي، بل هو اقتلاع لرمزية سياسية وقانونية عمرها عقود.
لماذا تصر إسرائيل على القضاء على “الأونروا“؟
و لا يتعلق الهدف الإسرائيلي من تصعّيد المعركة ضد الأونروا بأسباب إغاثية أو أمنية طارئة، بل يرتبط باستراتيجية سياسية ذات ثلاثة أبعاد:
تصفية قضية اللاجئين: إذ أن الوكالة هي الشاهد الدولي الوحيد على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 القاضي بحق العودة. وعليه فإن إنهاء وجود الأونروا يعني وفقًا للفكر السياسي الإسرائيلي بمثابة تفكيك الصفة القانونية للاجئ الفلسطيني وتحويله إلى “مواطن أو مقيم” بلا حقوق تاريخية.
السيادة على القدس: حيث أن إغلاق مقرات الوكالة في القدس الشرقية يهدف بالأساس إلى ترسيخ فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المدينة، وطمس أي مظاهر للوجود الأممي المستقل داخلها.
نزع الشرعية: فعبر سنوات سعت تل أبيب لشيطنة الوكالة عبر اتهامها بـ “التحيز” و“دعم الإرهاب“، لقطع الدعم الدولي عنها وتبرير إغلاقها أمام المجتمع الدولي.
كيف تحمي واشنطن المنشآت الأممية؟ (ازدواجية الدور)
باعتبارها العضو الأبرز والمضيف لمقر الأمم المتحدة، يقع على عاتق الولايات المتحدة التزام أخلاقي وسياسي بصون الميثاق وحماية المؤسسات التابعةللمنظمة. لكن السلوك الأمريكي في هذه الأزمة يتسم بـ “المظلة الانتقائية” المتمثلة في الاكتفاء بالتنديد اللفظي حيث تتعامل واشنطن مع الانتهاكات الإسرائيلية ضد مقرات الأونروا بلغة تحذيرية مخففة، تعبر عن “القلق” دون اتخاذ أي خطوات إجرائية أو فرض خطوط حمراء حقيقية على حكومة نتنياهو، بل تعمل على توفير الحماية السياسية لحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف والتصدي لكافة محاولات إتخاذ أي قرار حاسم من مجلس الأمن وفق البند السابع الذي يفرض حماية ميدانية لمقرات الأونروا، وذلك عبر استخدام الفيتو أو تحييد مشاريع القرارات.
بالإضافة إلى استخدام التمويل كأداة ضغط تسهم في إضعاف موقف الوكالة، حيث سبق لمنسقي السياسة الأمريكية تجميد وتقليص التمويل كأداة للمساومة، مما جعل المنظمة في حالة عجز مالي ودبلوماسي دائم.
موقف الأونروا ومصيرها
تجد الأونروا نفسها اليوم أمام “أزمة وجودية” هي الأخطر منذ تأسيسها عام 1949. فعلى الصعيد الرسمي يستند موقف الوكالة المعلن إلى أنتصرفات إسرائيل تُعد خرقاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية 1946 للحصانات والامتيازات. لكن ميدانياً، فقد جُردت الوكالة من أدوات المقاومة؛وبات مصيرها اليوم يتجه نحو النقل الإجباري لمقراتها خارج الحدود المباشرة للسيطرة الإسرائيلية، مع شلل شبه كامل في تقديم خدماتها الصحية والتعليمية لآلاف اللاجئين في الضفة والقدس.
خاصةً وأن الحماية الدولية للمنظمات الإغاثية تستند إلى مسارات القانون الدولي، لكنها تصطدم ببطء التنفيذ وغياب الإرادة
ويرى المراقبون الدوليون أن ما حدث في مقر قلنديا يُعد سابقة خطيرة تؤسس لمرحلة تنهار فيها حصانة المؤسسات الدولية أمام القرارات الاحتلالية؛ وطالما استمر الغطاء الدبلوماسي الأمريكي لتل أبيب، ستظل المنظمات الإغاثية تعمل في بيئة مكشوفة ومجردة من أي حماية قانونية فعلية.





















