يُعتبر فيلم الحرام عن رواية يوسف إدريس الشهيرة بنفس الاسم سلسلة متصلة الحلقات من البؤس، والألم، والمعاناة، حكاية امرأة سارت فوقها عجلات الحياة، عزيزة بطلة فيلم الحرام، والتي تستحق عن جدارة أن تكون من أكثر الشخصيات بؤسًا في تاريخ السينما المصرية.

يدور الفيلم حول عاملة الترحيلات عزيزة، التي يغتصبها أحد فلاحون قريتها، وتحمل، فتضطر إلى إخفاء حملها خوفًا من الفضيحة لأن زوجها مريض، ولا يمكنها الحمل منه وهو في مثل هذه الحالة، ثم ترحل عزيزة مع عمال الترحيلة للعمل في قرية أخرى لتلد هناك، وتقتل مولودها عن طريق الخطأ.

الواقعية في سينما بركات
فيلم الحرام هو تجسيد متكامل للواقعية في سينما هنري بركات، فهنري الذي صنع مجموعة كبيرة من الأفلام مع بطلته المفضلة فاتن حمامة على مدار عقود، لا يتورع في هذا الفيلم عن أن يدخل المشاهد إلى الحياة في الريف المصري بكل جوانبه.

الأهالي المتشوقون الذين يتحلقون حول السيارة التي تحمل أفراد الشرطة في انتظار حل لغز جثة الرضيع الذي عثر عليها حديثًا، نظراتهم لصواني الطعام المليئة بالطيور والأطباق، وهي تدخل إلى المكان الذي يستقبل الشرطة.
إنها بانوراما كاملة للفقر المدقع الذي يعيشه أهالي الريف المصري، ويظهر هذا الفقر بشكل أكبر في تفاصيل حياة عزيزة وعائلتها، فهم كالكثير من العمال ليس لديهم أرضًا زراعية ليعملوا بها، لذا يكسبون قوتهم من أعمال أخرى، أو عن طريق السفر مع عمال كثيرين مثلهم إلى قرى غير قراهم، للعمل في الأرض باليومية، لكنهم يواجهون كذلك احتقار أهالي القرى التي يعملون بها لهم.

هل يمكن اعتبار «الحرام» فيلمًا سياسيًا؟

في بداية الفيلم يشير الراوي إلى أن أحداث الفيلم تقع في العام 1950، وأظن أن هذه الإشارة أضيفت لتقول للحكومة في ذلك الوقت أن الفيلم لا يحاول انتقاد الوضع الراهن للفلاحين المصريين بعد عام 1952، وإنما تدور الأحداث في العصر الملكي، وبالطبع كان هذا التنويه خوفًا من سلطة الرقابة الغاشمة في العصر الناصري.
ولكننا إن جردنا الفيلم من هذا الإطار الذي حبس فيه، سنجد أن تلك كانت أحوال الريف المصري لقرون طويلة، وأن الفيلم يمكن أن يكون سياسيًا لأنه يعرض بشراسة قسوة الحياة التي يعانيها سكان الريف المصري، نتيجة لتهميشهم في مقابل العاصمة والمدن أيًا كان النظام الحاكم في الوقت الذي تدور به الأحداث.

الضعف الإنساني في مواجهة ألعاب الحياة القاسية

شخصية عزيزة شخصية تمثل منتهى الضعف الإنساني في مواجهة حياة تسير بقواعد غير عادلة بالمرة. فهي تتلقى الضربات المستمرة بداية من مرض زوجها، مرورًا بتعرضها لاعتداء جنسي، وإلى قتلها لرضيعها بدون قصد، تتلقى كل تلك المآسي وهي لا حول لها ولا قوة، وحتى مساعيها للإجهاض تفشل. إنها الإنسان المجرد من كل حيلة، والضئيل، وشفاف تمامًا في مواجهة الواقع، لا عمل، ولا طريقة للهرب من هذه الدوامة المؤلمة.

لذلك كان لابد لها من أن تصاب بحمى النفاث، وأن تموت بتلك الطريقة المأساوية التي تليق بالحياة التي عاشتها، وكأن موتها بمثابة آخر طريقة للنجاة من أصابع الحياة التي تتحكم بها كعروس ماريونيت.
سلسلة متصلة من الجهل والفقر
في النهاية تلفظ عزيزة أنفاسها الأخيرة عند إحدى الأشجار، والتي ربما تكون نفس الشجرة التي قتلت عندها طفلها، وهي تحاول إسكاته. ويقول الراوي أن تلك الشجرة أصبحت فيما بعد مزارًا للنساء، اللاتي أصبحن يأتين إليها ليتبركن بها، وكأنه يشير إلى أن هذه السلسلة الطويلة من الجهل والفقر لا تنقطع أبدًا، فحتى موت عزيزة المأساوي قد أتخذ طابعًا أسطوريًا يتشبث به الفلاحون محاولين الاحتماء به من قسوة الحياة.

ما هو الحرام؟ وما هي الخطيئة؟
“وعادت عزيزة إلى قريتها جثة هامدة، ولكن الناس ظلوا يتساءلون أهي خاطئة غسلت بالموت خطيئتها؟ أم شهيدة دفعتها إلى الخطيئة خطيئة أكبر منها؟”.

هكذا تنتهي قصة عزيزة، بهذا التساؤل الذي يمكن أن ينبثق منه عدة تساؤلات أخرى حول ماهية الخطيئة، وطبيعتها بشكل عام.
لكن ما هو الحرام الذي يشير إليه الفيلم؟، أو ما هي الخطيئة التي يتحدث عنها؟، أيُعد قتلها لابنها عن طريق الخطأ هو الخطيئة التي يشير إليها العنوان؟، هل الفقر والمرض هما الخطيئة الكبرى التي دفعت بالأحداث إلى تلك النهاية المأساوية؟، أم أن الوضع المتدني للنساء هو الخطيئة التي جعلت عزيزة تتعرض للاغتصاب ثم تهرب ملقية باللوم على نفسها بتلك الطريقة؟.
ما هو الحرام الحقيقي؟، أظن أن يوسف إدريس، وهنري بركات كانا يشيران إلى أن الحرام الحقيقي والخطيئة الكبرى هو أن يضطر الإنسان إلى العيش وسط كل تلك الظروف التي تدفعه إلى الهلاك.
عن الحرام
تم ترشيح فيلم الحرام لجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1965، وبعد عرضه بالمهرجان أثار إعجاب النقاد، والمشاهدين، وتحدثت عنه العديد من الصحف العالمية.

كتب جورج سادول في جريدة «الآداب الفرنسية»، بعد مشاهدته للفيلم في كان: “فيلم الحرام مفاجأة طيبة بعد ما اعتدنا أن نراه من الأفلام في المهرجانات السابقة… وقد كتبت عن الحرام قبل ذلك بعد أن عدت من رحلتي إلى مصر، ولكني خشيت أن يكون إعجابي بالفيلم نتيجة لتأثري الشديد بما شاهدته هناك، وللقائي بالمخرج هنري بركات… إلا أنني بعد أن شاهدت الفيلم ثانية في المهرجان تأكدت من صحة رأيي، وأعتقد أنه يشاركني في ذلك نقاد كثيرون أعجبوا جميعا بالواقعية التي عرض بها الفيلم الحياة اليومية في القرية المصرية. وإن كان الفيلم طويلًا بعض الشئ. إلا أني أعجبت بالتفاصيل التي تجعلنا نعيش مع أولئك الفلاحين في حياتهم الفعلية… الحرام قصة بدون مبالغة أو أنفعال… نقد اجتماعي بدون دعاية… مثل هذا الفيلم يجب أن ينال جوائز المهرجان… وأنا لا يهمني أن يكون الفيلم سكوب أو بالالوان وإنما يهمني الإحساس بالواقع”.
كما كتبت جريدة لوموند الفرنسية عن الفيلم: “لقد أثار فيلم الحرام للمخرج بركات اهتمامًا خاصًا.. كان من الممكن لهذا الفيلم أن يكون مجرد فيلم ميلودرامي، إلا أن المخرج لم يقع في هذا الخطأ، لماذا؟ لأنه حافظ على الواقعية في الفيلم.. إنه يعطينا سجلًا للحياة اليومية في قرية صغيرة.. وتصوير البطلة يعكس باستمرار ما يعانيه هذا المجتمع، فهي رمز للمجموعة، وهذا هو ما أعجبنا في الحرام”.
يُذكر أن الحرام حصل على الترتيب الرابع في قائمة أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما المصرية، وذلك في استفتاء مجلة «الفنون» المصرية عام 1984.






















