يروى لنا بن إياس أنه بعدما تم خلع الملك المؤيد أحمد بن إينال، اتفق أمراء المماليك من سائر الطوائف، نزولًا على رغبة المماليك الأشرفية والظاهرية، وكانوا أقوى تلك الطوائف، على أن يتولى حُكم مصر الأتابك “خُشقدم”، وذلك عندماتأخر حاكم الشام “جانم بك” في الوصول إلى القاهرة، بعدما طلبوا منه القدوم إلى مصر لطرح مسألة الحُكم عليه، فكان الحُكم من نصيب خُشقدم الذي لُقِبَ بالملك الظاهر.
كان الظاهر خُشقدم هو أول ملوك الروم بمصر، فقد كان من أصول ألبانية ممن كان يُطلَق عليهم الأرناؤودس باليونانية ثم حُوِّر إلى الأرناؤوط بالتركية. يقول بعض المؤرخون المحدثون، أن حارة “حوش قدم” الشهيرة بالدرب الأحمر التي كان بها منزل الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، قد اشتق إسمها من “خُشقدم” وهي كلمة فارسية من مقطعين: خوش وقَدَم، أي قَدَم الخير.
يقول بعض المؤرخون، فيما لم يتم الوثوق منه، أن الظاهر خُشقدم كان أول من إعتمد ضرب المدفع إيذانًا بالإفطار في رمضان، إذ تصادف أن كان ميعاد تجربته لمدفع جديد مع ميعاد الإفطار بأحد أيام رمضان، فظن أهل القاهرة أنه يريد تنبيههم للإفطار وسُروا سرورًا عظيما لذلك، ثم تطورت تلك الحادثة لتصير طقسًا يوميًا بضرب المدفع مرتين، مرة عند الإفطار وأخرى عند الإمساك.
يقول البعض الآخر من المؤرخين أن أول من إبتدأ عادة مدفع رمضان هو الخديوي إسماعيل.
يقول بن إياس، أن الظاهر خُشقدم الذي تُوفي بعد ست سنوات ونصف من حُكم مصر وله من العمر نحو سبعون عامًا، كان ملكًا جليلًا، عاقِلا ووقورا، وكانت أيام حُكمه بمصر أيامًا سعيدة، فلم تشهد البلاد بها أوبئةً ولا غلاءً، وكان فصيح اللسان، رقيقًا يحب سماع الغناء ويرتدى أفخر الثياب، وكان يحب العلماء والفقراء.
لكنه كان مُتَسَرِعًا في عزل رجال دولته وخاصة القضاة، وكان يُقرِّب الأوباش والأراذل ويوليهم الوظائف العليا. لما تُوفي الظاهر خُشقدم، إجتمع الأمراء وقاموا بتولية الأمير يلباي حاكمًا على مصر، بإلحاحٍ من”تمربغا” أمير مجلس(*)، الذي كان له طموحٌ آخر، كما سيحكي لنا بن إياس.
حِتَّة مِن مَوّال
يا عم ياللي سطوحَك رَيَّح القايِش
ما كَانش يطلَع كلامي في القَمر عَايِش
ولا في حوش الإمام والكعك والفَايِش
ما كَانش يطلع كلامي دِقِي وهلِيهلِي
فَات الجَبل على مِهّلِي والسطوح في الأرض
(*)أمير مجلس هي واحدة من أعلى الوظائف بدولة المماليك، ويُقصد بها حارس السلطان.





















