قبل عشر سنوات تقريبًا، وتحديدًا في عام 2014، بدأت الحكومة المصرية أولى خطواتها نحو رفع الدعم التدريجي عن الوقود، فكان الهدف المُعلن وقتها إصلاح عجز الموازنة وتوجيه الدعم لمستحقيه، لكن النتيجة كانت بداية مرحلة جديدة، تحمّل فيها المواطن الجزء الأكبر من تكلفة الإصلاح الاقتصادي.
منذ تلك اللحظة، أصبح البنزين ليس مجرد سلعة يومية، بل مؤشرًا سياسيًا واقتصاديًا يقيس نبض الشارع، ودرجة صبر الناس على قرارات وزيادات الحكومة.
سنوات التعويم والارتفاع
جاء نوفمبر 2016 ليقلب المشهد تمامًا، فمع قرار تعويم الجنيه المصري، قفزت أسعار الوقود بنسبة تجاوزت 40% في بعض الأنواع، حيث ارتفع بنزين 80 من نحو 1.60 جنيه إلى 2.35 جنيه، وبنزين 92 من 2.60 إلى 3.50 جنيه، لتبدأ موجة متصاعدة لم تتوقف.
وفي السنوات التالية، كانت الزيادات تأتي على فترات متقاربة، فبين عامي 2017 و2019، تضاعفت الأسعار تقريبًا، ووصل بنزين 92 إلى ما يقارب 6.75 جنيه، بينما تجاوز أوكتان 95 حاجز 7 جنيهات، وأصبح الدعم شبه رمزي.
كانت تلك المرحلة انتقالية، اعتمدت فيها الحكومة على “الصدمات المتتابعة” لتقليل الفجوة بين السعر الحقيقي وسعر البيع المحلي.
وابتداءً من عام 2019، تغيّر النهج الحكومي، لم تعد زيادات الأسعار تتم بقرارات مفاجئة، بل من خلال “لجنة التسعير التلقائي للوقود”، التي تراجع الأسعار كل 3 أشهر وفق معادلة تشمل سعر النفط عالميًا، وسعر صرف الجنيه، وتكاليف النقل والإنتاج.
أصبح رفع الأسعار أمرًا أكثر من كونه سياسيًا، لكنه بقي محمّلًا بأعباء اقتصادية واجتماعية واضحة، فكل تعديل بسيط في اللتر، كان يعني زيادة في أسعار النقل، الكهرباء، والسلع الغذائية، أي في تكلفة المعيشة بالكامل، وسط الأجور المتدنية والأوضاع المعيشية الصعبة.
عام 2024.. ثلاث زيادات في عام واحد
دخلت مصر عام 2024 وهي أمام ضغوط مالية غير مسبوقة التزامات صندوق النقد الدولي دفعت الحكومة لرفع الأسعار 3 مرات خلال العام نفسه.
وفي يوليو 2024، زادت الأسعار بنسبة تتراوح بين 10 و15%، ليصل لتر بنزين 80 إلى 12.25 جنيه، و92 إلى 13.75 جنيه، و95 إلى 15 جنيهًا، وفي أكتوبر من العام نفسه، جاءت زيادة أخرى، بدت صغيرة في ظاهرها لكنها زادت الضغط على المستهلك، وانعكست فورًا على أسعار النقل والسلع الأساسية.
كانت تلك الزيادات المتكررة بمثابة “جسّ نبض” للسوق والمواطن قبل الموجة الكبرى في العام التالي.
عام 2025.. ذروة الزيادات وأعلى معدلات في التاريخ
في أبريل 2025، أعلنت الحكومة أكبر زيادة منذ بدء برنامج الإصلاح. ارتفع بنزين 95 من 17 إلى 19 جنيهًا، و92 من 15.25 إلى 17.25، و80 من 13.75 إلى 15.75 جنيهًا، كما زاد سعر السولار من 13.50 إلى 15.50 جنيهًا، وارتفعت أسطوانة البوتاجاز المنزلية إلى 200 جنيه بعد أن كانت 150 فقط.
وبعد 6 أشهر فقط، وتحديدًا في أكتوبر 2025، منذ ساعات، جاءت الزيادة الثانية للعام لتُكمل ما بدأته سابقتها، فصعدت الأسعار مجددًا بنحو 10 إلى 12%، ليصل بنزين 80 إلى 17.75 جنيه، و92 إلى 19.25، و95 إلى 21 جنيهًا، والسولار إلى 17.50 جنيهًا.

وأصبحت أسعار البنزين في مصر أعلى بثلاثة إلى أربعة أضعاف مما كانت عليه قبل عشر سنوات، وهو ارتفاع لم تشهده البلاد من قبل.
من يتحمل الزيادة؟
الارتفاع في أسعار الوقود لا يقتصر على البنزين فقط، بل يجرّ وراءه سلسلة متصلة من الزيادات: أجور النقل العام، أسعار السلع الغذائية، تكاليف الإنتاج الصناعي، وحتى خدمات التوصيل اليومية، مما يجعل المواطن المصري البسيط هو الأكثر تضررًا.
أين تكمن الأزمة؟
الأزمة ليست في الزيادة ذاتها بقدر ما هي في غياب بدائل حقيقية، إضافة إلى ارتفاع الأسعار الذي يتزامن مع موجة تضخمية كبيرة، وتراجع في القوة الشرائية للجنيه، مما يجعل أي زيادة في الوقود مؤثرة على باقي الأسعار.
وتراهن الحكومة على أن تحرير الأسعار سيُخفف الضغط على الموازنة العامة، لكن الخطر الأكبر أن يؤدي ذلك إلى استنزاف اقتصادي واجتماعي يصعب تحمّله على المدى الطويل.





















