تتعالى أصوات من قلب العاصمة، لا تحكي فقط عن أرقام وعقود، بسبب الإيجار الجديد، بل تروي قصصًا إنسانية عن أحلام وأعباء، عن سقفٍ يأوي عائلة، وعن لقمة عيشٍ يقتطع منها قسطٌ كبير ليذهب ثمنًا لمأوى.
في كل كلمة تسمعها، تجد حكاية أسرة تحاول الصمود، ووجوهًا تعكس قلق الغد، ما بين وسيط يرى في الأرقام مصدر رزقه، ومالك يخشى أن يتنازل عن دخله الوحيد، ومستأجر يصارع لدفع فواتير لا تتوقف عن الارتفاع، هذه ليست مجرد أزمة إيجارات، بل هي صراع يومي من أجل البقاء بكرامة.
“سقف فوق الرأس” حلم المستأجر في متاهة الأسعار
تصف “أم مروان” ربة منزل، الملاك والوسطاء بـ”الجشع”، وتتساءل بمرارة عن سبب دفعها مبلغ 6000 جنيه لوسيط مقابل ربطها بمالك الشقة، كما تعبر عن استيائها من قيام المالك برفع الإيجار من 1000 إلى 1500 جنيه بعد مرور سنة واحدة فقط، متسائلة: “كيف سنعيش ومصدر دخلنا لا يكفي كل هذه النفقات؟”.
أما الحاج حسن، وهو موظف متقاعد، فيروي قصة معاناته مع الإيجار، فمنذ عام 2020، كان يدفع 1400 جنيه شهريًا لمدة ثلاث سنوات، لكن مع قدوم السودانيين إلى مصر، ارتفع الإيجار إلى 4000 جنيه، ثم إلى 6500 جنيه منذ نوفمبر الماضي، ويضيف بحسرة أنه مطالب بدفع 9000 جنيه في نوفمبر المقبل وإلا سيضطر لترك الشقة، مشيرًا إلى أنه يدفع معاشه كله كإيجار.
ملاك الشقق “زيادة الإيجار حقنا في ظل غلاء المعيشة”
بدورها قالت عطيات السيد،”أنا مجبرة على رفع إيجار شقتي لأنها مصدر دخلي الوحيد، كل شيء في ارتفاع، وأنا مضطرة لزيادة الإيجار لأتمكن من العيش فأنا أرملة وحيدة وليس لدي مصدر دخل أخر.”
من جهته قال أحمد فارس، “أنا لا أرفع الإيجار رغبةً مني، ولكن الأسعار كلها في ارتفاع، من حقنا كمالكين أن نحقق دخلًا يواكب غلاء المعيشة، وزيادة الإيجار هي السبيل الوحيد لي ولأسرتي لتغطية نفقات الحياة الأساسية.”

عمولة الوسيط.. إيجار شهر كامل من المالك والمستأجر معًا
قال الحاج محمود، وهو وسيط عقاري بحي فيصل، أن أسعار الإيجارات لا تزال ثابتة، وأن الملاك لا يتنازلون عن مطالبهم، ويشير إلى أن متوسط إيجار شقة من غرفتين وصالة في “بيت عادي” يبلغ 4500 جنيه بدون خدمات، أما الشقق التي تتكون من ثلاث غرف في أبراج مزودة بمصعد وغاز، فتتراوح إيجاراتها بين 7000 و10000 جنيه، بينما تختلف أسعار الشقق المفروشة.
من جانبه، يؤكد كريم حامد، وهو وسيط آخر، أن “الحياة صعبة والأسعار نار”، وهذا هو السبب وراء تمسك الملاك بعقاراتهم كمصدر دخل أساسي، ويوضح أنه كـ”وسيط” يحصل على عمولته من المالك والمستأجر معًا، بواقع إيجار شهر كامل.
نرشح لك:عقب التصديق بتطبيقه.. الربح المتوقع من تعديل قانون الإيجار القديم
صرخات على مواقع التواصل الاجتماعي
قالت منى عامر، إحدى المتابعات لجروب عقارات على موقع فيسبوك، إن الأسعار أصبحت “نارًا” وإن الناس يجدون صعوبة بالغة في تحمل تكاليف المعيشة، وأضافت أن إيجارات الشقق مرتفعة جدًا على الشباب، خاصةً مع الارتفاعات التي تصل إلى 1500 جنيه في المرة الواحدة.

وطالبت “لالا نور” بضرورة تدخل الدولة لفرض رقابة على الأسعار “الجنونية” التي يطلبها الملاك من المستأجرين.

أرقام واحصائيات
بحسب التقارير، شهد سوق الإيجارات في مصر زيادة ملحوظة في الأسعار، حيث ارتفعت إيجارات الشقق في القاهرة الكبرى بشكل كبير، حيث زادت في مناطق مثل غرب القاهرة بنسبة وصلت إلى 22%، وفي القاهرة الجديدة بنسبة 18% على أساس سنوي، كما وصل متوسط عائد الإيجار الإجمالي في مصر إلى حوالي 6.77% في الربع الثاني من عام 2024، مما يعكس الطلب القوي على الوحدات السكنية المؤجرة، إلى أن شهد عام 2025 ارتفاعات جنونية في الأسعار، فبالرغم من عودة عدد كبير من اللاجئين لبلادهم، إلا أن الأسعار مازالت مستقرة على ارتفاع تلو الآخر.
مطالبات بوضع سقف الإيجارات الجديدة لضمان استقرار المواطن
وأوضح الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، في تصريح لـ «الحرية»، أن أزمة ارتفاع أسعار الإيجار الشهري للشقق السكنية ذات عقود الإيجار الجديدة تُعد عبئًا لا يطاق على كاهل المواطن المصري، فهي لا تتناسب مع متوسط الدخل وتشكل تهديدًا مباشرًا لاستقراره المادي والنفسي، من الضروري وجود تدخل تشريعي عاجل لوضع سقف محدد لهذه الإيجارات، ومنع الملاك والوسطاء من تحديدها بشكل تعسفي، مؤكدًا إن تنظيم هذا القطاع وحماية المستأجر من الاستغلال يضمن للمواطن الحق في سكن لائق ومستقر، ويعزز شعوره بالأمان، وهو ما ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع ككل.





















