وثقت منظمات حقوقية دولية حملة اعتقالات واسعة النطاق شنتها أجهزة الأمن في جمهورية إيران الإسلامية منذ اندلاع النزاع المسلح الأخير، حيث تجاوز عدد المعتقلين حاجز الثلاثة آلاف وستمائة شخص في إحصائية أولية مرشحة للزيادة، وتؤكد التقارير أن حملات التوقيف القسرية لم تتوقف حتى مع دخول فترة الهدنة الحالية حيز التنفيذ، مما يعكس رغبة القيادة في طهران في إحكام قبضتها الأمنية وتصفية الحسابات مع المعارضين والنشطاء تحت غطاء الحرب القائمة، وتعتبر اعتقالات الداخل الإيراني في الوقت الراهن بمثابة عملية تطهير شاملة تستهدف إخراس أي صوت معارض وتأمين الجبهة الداخلية عبر سياسة الترهيب والاحتجاز السري الممنهج.
سجلت منظمة حقوق الإنسان في إيران اعتقال سبعمائة وسبعة وستين شخصا إضافيا بعد بدء سريان وقف إطلاق النار في الثامن من شهر نيسان الجاري، وارتفعت حصيلة المعتقلين الموثقين لتصل إلى ثلاثة آلاف وستمائة وستة وأربعين شخصا على الأقل يواجهون ظروفا مأساوية داخل مراكز احتجاز غير رسمية، وتحرم السلطات هؤلاء المعتقلين من التواصل مع ذويهم أو الحصول على تمثيل قانوني في انتهاك صارخ لكافة المواثيق والأعراف الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وتكشف وتيرة اعتقالات الداخل الإيراني عن حالة من الارتباك الأمني الذي يدفع بالنظام نحو التوسع في دائرة الاشتباه لتشمل كل من يحاول تجاوز قيود الإنترنت المشددة أو التواصل مع الخارج.
استهدفت الأجهزة الأمنية في جمهورية إيران الإسلامية أكثر من مائة وأحد عشر ناشطا مدنيا وسياسيا بارزا خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتأتي المحامية الحقوقية نسرين ستوده على رأس قائمة الشخصيات التي تم تغييبها خلف القضبان في محاولة لضرب الحركة الحقوقية في مقتل، وتلفق السلطات تهما جاهزة للمعتقلين تتعلق بالتجسس والتواصل مع وكالات استخبارات أجنبية ونقل صور لمواقع عسكرية وحساسة تابعة للحرس الثوري، وتعتمد اعتقالات الداخل الإيراني على ملاحقة مستخدمي أجهزة الإنترنت الفضائي الذين يسعون لنقل الحقيقة للعالم بعيدا عن الرقابة الحكومية المفروضة على كافة وسائل الاتصال المحلية.
شنت السلطات الأمنية حملة موازية استهدفت عشرات المسؤولين العسكريين والأمنيين بتهم التواطؤ والتقصير عقب سلسلة من الاغتيالات النوعية التي ضربت العمق، وتسعى القيادة من خلال هذه الإجراءات إلى تحميل صغار الضباط مسؤولية الإخفاقات الاستخباراتية المتكررة التي كشفت هشاشة المنظومة الدفاعية في مواجهة الهجمات الخارجية، ويواجه المعتقلون خطرا داهما يتمثل في انتزاع اعترافات قسرية تحت التعذيب تمهيدا لإصدار أحكام إعدام سريعة بحقهم بتهمة خيانة الوطن، وتظل اعتقالات الداخل الإيراني هي الأداة الرئيسية التي يستخدمها النظام الحالي لإعادة إنتاج سلطته المأزومة وسط تزايد الضغوط الدولية والميدانية في آن واحد.
تطالب المنظمات الحقوقية بضرورة إدراج ملف الإفراج عن السجناء السياسيين كشرط أساسي في أي مفاوضات مستقبلية تهدف للتوصل إلى اتفاق سلام دائم، وتؤكد التقارير أن استمرار عمليات الإعدام بحق المتهمين بالتعاون مع جهات خارجية يمثل عقبة كبرى أمام أي محاولات للتهدئة أو تحسين سجل البلاد الحقوقي المتردي، ويراقب المجتمع الدولي بقلق شديد تدهور الأوضاع الإنسانية داخل السجون التي تعج بآلاف الأبرياء الذين تم اعتقالهم لمجرد التعبير عن رأيهم أو المطالبة بالإصلاح، وتستمر اعتقالات الداخل الإيراني في إثارة موجات من الغضب الشعبي المكتوم الذي قد ينفجر في أي لحظة نتيجة انسداد الأفق السياسي.





















