في زحام الأخبار المتدافعة كل دقيقة، وبين ضوضاء التصريحات المتبادلة عبر المنابر الإعلامية الإسرائيلية، خرجت الهيئة العامة للاستعلامات لتضع النقاط فوق الحروف: لا تنسيق مصري لفتح معبر رفح خلال الأيام المقبلة لخروج سكان غزة. تصريح مختصر، لكنه في جوهره أعمق من مجرد نفي خبر، فهو يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة ما يُراد تمريره، وعن تلك العادة القديمة التي تحاول فيها بعض الأبواق صناعة واقعٍ عبر تكرار رواية غير دقيقة، أملًا في أن تصبح حقيقة تُبنى عليها مواقف وممارسات.
المصدر المصري المسؤول، وهو يتحدث بوضوح لا يحتمل التأويل، لم يكتفِ بالنفي، بل وضع إطارًا حاكمًا لأي خطوة مقبلة: إذا جرى التوافق على فتح المعبر، فسيكون ذلك في الاتجاهين، دخولًا وخروجًا، ووفق ما جاء في الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهنا يصبح السؤال الجوهري: لماذا تتعمد بعض الوسائل الإسرائيلية تجاهل هذه الحقيقة؟ ولماذا تصر على تصوير الأمر كأن مصر تُهيّئ المعبر ليكون ممرًا أحادي الاتجاه، هدفه تفريغ القطاع من سكانه؟
من يتابع الخطاب المصري الرسمي يدرك أن القاهرة تنظر لمعبر رفح باعتباره نقطة سيادية، ورمزًا لثبات موقفها تجاه القضية الفلسطينية، وليس مجرد بوابة تُفتح وتُغلق لتحقيق أجندات الآخرين. ومع ذلك، لا يزال البعض يتعامل مع الملف بمنطق الأمنيات لا الوقائع، وكأن الضغط الإعلامي يمكنه أن يدفع مصر إلى تخطي ثوابتها.
إن الإشارة إلى “دخول وخروج” ليست تفصيلًا تقنيًا، بل تأكيد على أن مصر لن تسمح بتغيير التركيبة الديموغرافية للقطاع، ولن تكون شريكًا في أي ترتيبات تنال من حق الفلسطينيين في أرضهم. فتح المعبر، حين يتم، سيكون في إطار يضمن استمرار التواصل الإنساني والدعم الطبي والإغاثي، وليس بوصفه مسارًا للهجرة القسرية أو التهجير المنظم.
وإذا عدنا إلى خطة ترامب المشار إليها، فهي – بغض النظر عن تقييمنا السياسي لها – وضعت تصورًا لحركة المعابر يتطلب تنسيقًا ثلاثيًّا، ويضع مسؤوليات محددة على كل طرف. هذا وحده يكفي لنسف الروايات التي تتحدث باستخفاف عن قرارات كبرى تُتخذ بين عشية وضحاها. فالعلاقات بين القاهرة وغزة والجانب الإسرائيلي أعقد بكثير من أن تُدار عبر “تسريب” أو عنوان صحفي متعجل.
الأهم أن الخطاب المصري، كما جاء في بيان الهيئة العامة للاستعلامات، يعكس رغبة واضحة في إغلاق الباب أمام أي محاولات لتوظيف المعبر سياسيًا. فمصر التي تحملت تاريخيًا أعباء القضية الفلسطينية، لا يمكن أن تُختزل أدوارها في قرار فتح معبر أو إغلاقه. القضية أكبر من ذلك، والدولة المصرية أكثر وعيًا من أن تقع في فخ السرديات المضللة.
في النهاية، يبقى معبر رفح – بما يمثله من رمزية وأهمية استراتيجية – ملفًا لن يُدار إلا بعقل الدولة ومصالحها وسيادتها، لا بضجيج الإعلام ولا بتكهنات الآخرين. وما بين النفي الرسمي وما يُتداول خارج الحدود، تظل الحقيقة واحدة: مصر تعرف ماذا تفعل، ومتى تفعل، وكيف تحافظ على ثوابتها دون أن تنجر وراء أي محاولة لفرض أمر واقع من الخارج.




















