حين ظهرت قصواء الخلالي على الشاشة، شعر كثيرون — وأنا منهم — أن الإعلام المصري بدأ يستعيد شيئًا من رشاقته المفقودة، وأن زمن التكرار والخطاب النمطي يوشك أن يتراجع.
كانت قصواء تمثل بالنسبة لي امتدادًا طبيعيًا لمدرسة منى الشاذلي قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، تلك المدرسة التي جمعت بين الجدية والإنسانية، وبين المهنية والاقتراب من الناس دون افتعال أو استعراض.
قصواء لم تكن مجرد مذيعة تُلقي الأسئلة، بل كانت صاحبة مشروع فكري واضح المعالم، تحاول أن تعيد للإعلام المصري مكانته كمنبر للتنوير لا كمنصة للتهليل. كانت تختار موضوعاتها بعناية، تتعامل مع ضيوفها باحترام، وتمنح جمهورها حق التفكير لا حق التلقي فقط. ولعل هذا تحديدًا ما جعلها تحظى بقبول فئة واسعة من المشاهدين الذين افتقدوا طويلاً وجوهًا تمتلك حضورًا وعقلًا في آنٍ واحد.
لكن الصدمة جاءت حين تم استبعاد قصواء في الفترة الأخيرة، بلا مبررات واضحة، في لحظة كان يُفترض فيها أن تكون نموذجًا يُبنى عليه ما يُسمى اليوم بـ “تطوير الإعلام”. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كيف نتحدث عن تطوير بينما نستبعد من يجسّد روح التطوير؟ كيف نرفع شعارات المهنية والابتكار ونحن نُقصي من يملك أدواتهما فعلاً؟
اللجنة التي تشكلت مؤخرًا تحت شعار “تطوير الإعلام المصري” تبدو، في رأيي، استمرارًا لنمط إداري قديم، يخلط بين التنظيم والسيطرة، بين التطوير الحقيقي والتجميل الشكلي. فالتطوير لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بتقارير الأداء، بل بقدرتنا على خلق إعلام حر ومسؤول، يُفسح المجال للعقول المستقلة والأصوات المختلفة، لا أن يضيق بها ذرعًا.
استبعاد قصواء الخلالي من المشهد ليس مجرد قرار إداري، بل مؤشر على رؤية قاصرة لما يجب أن يكون عليه الإعلام في مصر اليوم. إنها رسالة — ربما غير معلنة — بأن المطلوب ليس إعلامًا نقديًا متزنًا، بل خطابًا موحدًا لا يزعج ولا يُسائل. وهنا تحديدًا يصبح “تطوير الإعلام” مجرد لافتة براقة تخفي وراءها حالة من الجمود المؤسسي.
إن عودة قصواء الخلالي إلى الشاشة يمثل قيمة مضافة للمشهد الإعلامي، ليس لشخصها فحسب، بل لما تجسده من نموذج للإعلام القائم على الكفاءة والاستقلالية، والتأكيد على أهمية اكتشاف ورعاية نماذج شبيهة بها، تؤمن بأن الإعلام رسالة ومسؤولية قبل أن يكون وظيفة.
ما نحتاجه اليوم ليس “تطويرًا مزعومًا”، بل تطويرًا حقيقيًا يضع الإنسان والمجتمع في قلب المعادلة، ويعيد الثقة بين الجمهور والشاشة. وحين يحدث ذلك، لن تكون قصواء مجرد مذيعة عادت إلى موقعها، بل ستكون رمزًا لنهضة إعلامية طال انتظارها.



















