تقييم أي حديث عن الإصلاح يجب أن يستند إلى تاريخ السلطة وسلوكها
النظام الحالي يفتقد الوسطاء القادرين على التواصل مع الشعب.. والبرلمان لا يؤدي وظيفته في الرقابة والتشريع
تعديل الدستور لمد فترات الرئاسة مخالفًا لروح دستور 2014
تحسين أوضاع المواطنين هو الضمان الحقيقي للاستقرار.. وثورات الجوع أخطر من الثورات السياسية
لست راضيًا عن أداء المعارضة.. والسلطة تتحمل جزءًا كبيرًا من ضعفها
الحركة المدنية تمر بأزمة وتحاول إعادة هيكلتها.. ولا أؤيد تحويلها إلى حزب واحد
أجرى الحوار- عصام الشريف
أعده للنشر- سيف رجب
في حوار يتسم بالصراحة والقراءة النقدية للمشهد السياسي، يتحدث الأديب والمفكر السياسي الدكتور عمار علي حسن عن أبرز القضايا التي تشغل الساحة المصرية، بدءًا من حديث الرئيس عن الانفتاح السياسي والإعلامي، مرورًا بأداء البرلمان والحكومة، ووصولًا إلى مستقبل المعارضة والحركة المدنية، وإمكانية إجراء مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين.
ويقدم عمار علي حسن في حوار خاص مع “الحرية” رؤيته استنادًا إلى خبرته الأكاديمية والسياسية، متناولًا العلاقة بين السلطة والمجتمع، وأولويات الإصلاح، وأهمية التعليم والتنمية، مؤكدًا أن تقييم أي حديث عن الإصلاح يجب أن يرتبط بالممارسة الفعلية لا بالتصريحات، وأن تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين يظل الضمان الحقيقي لاستقرار الدولة.
وإلى نص الحوار:
كيف قرأت حديث الرئيس عن الإعلام والانفتاح السياسي خلال افتتاح الأوكتاجون؟
سبق أن تحدث الرئيس، ورئيس الحكومة، وعدد من أركان النظام، أكثر من مرة خلال السنوات العشر الماضية عن انفتاح سياسي وإعلامي.
وفي كل مرة يتعامل الناس بحسن نية مع هذه التصريحات، ويعقدون عليها آمالًا كبيرة، على أمل أن تشهد البلاد انفراجة في المجالين السياسي والإعلامي، وأن تتحرك الأحزاب بحرية أكبر، لكن ما يحدث في النهاية أن هذه الوعود إما تبقى في حدود الخطاب السياسي دون أن تتحول إلى إجراءات عملية، أو يبدأ تنفيذها بصورة جزئية ومؤقتة، ثم تتراجع السلطة عنها وتعود إلى نقطة البداية.

وفي العلوم السياسية تعلمنا أن تحليل أي خطاب سياسي يرتبط بثلاثة أمور أساسية؛ أولها مقارنة التصريحات الحالية بتاريخ المتحدث نفسه، وثانيها فهم النسق الفكري والعقائدي للقائد السياسي، وكيف ينظر إلى الدولة والمجتمع، ثم إسقاط تصريحاته الجديدة على هذه الرؤية لمعرفة ما إذا كان هناك تحول حقيقي أم لا.
أما العنصر الثالث فهو الظرف السياسي؛ فإذا كانت هناك أزمة كبرى أو تحدٍ استثنائي قد يصبح التغيير واردًا، أما إذا ظلت الظروف كما هي، فمن الصعب توقع تحول جوهري.
وعندما قال الرئيس خلال افتتاح الأوكتاجون إن هذه المنشآت أُقيمت بهدف حماية السلطة السياسية ومنع تكرار سيناريو يناير، فهذا يعكس أيضًا رؤيته لأسباب ما جرى في 2011، فهو سبق أن تحدث أكثر من مرة عن أن مصر لم تكن تمتلك معارضة سياسية منظمة قادرة على تحريك الشارع، وأن الإعلام كان أحد العوامل الرئيسية، مستشهدًا بصحيفتي «المصري اليوم» و«الشروق»، وبرنامجي «العاشرة مساء» و«90 دقيقة».
من وجهة نظره، لعبت هذه الوسائل دورًا في تشكيل وعي مختلف لدى المواطنين، بما أسهم في خروجهم إلى الشارع، وقد يكون الإعلام بالفعل عاملًا مساعدًا لكنه بالتأكيد لم يكن العامل الحاسم.
والدليل أن نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك سمح طوال ثلاثين عامًا بهوامش إعلامية وسياسية أوسع كثيرًا مما هو قائم الآن.
هناك من يقول.. إذا كان عهد مبارك يتمتع بهذا القدر من المرونة فلماذا قامت ثورة يناير؟
الثورات لا تقوم إلا إذا توافرت لها شروطها الموضوعية، وحتى أصحاب نظرية المؤامرة يمكن أن يفسروا بها انقلابًا عسكريًا أو عملية إرهابية، لكن لا يمكن تفسير خروج ملايين المواطنين إلى الشوارع بالمؤامرة وحدها.

ولو كان هناك رضا عام عن السلطة، وأمل حقيقي في الإصلاح السلمي، لما استجاب الناس لدعوات التظاهر، لكن ما حدث أن السياسات الاقتصادية التي انتهجها ما عُرف بـ«الحرس الجديد» داخل الحزب الوطني أدت إلى معدلات مرتفعة من البطالة، وبيع شركات القطاع العام، والتوسع في الخصخصة، وصولًا إلى طرح أجزاء كبيرة من أصول الدولة للبيع، وهو ما خلق حالة واسعة من الغضب الشعبي دفعت إلى الانفجار.
البعض يرى أن الهامش السياسي والإعلامي في عهد مبارك كان أحد أسباب استمراره في الحكم ثلاثين عامًا.. كيف ترى ذلك؟
هذا صحيح إلى حد كبير، فقد كانت هناك مساحة من المرونة، وحالة من الأخذ والرد، ووجود أحزاب معارضة لديها تمثيل برلماني، إلى جانب حرية إعلامية لا يمكن مقارنتها بما هو قائم اليوم، رغم أنها لم تكن حرية كاملة.
لكنها، في النهاية، كانت توفر قدرًا معقولًا من التنفس السياسي، وهو ما كان يمنح النظام قدرًا من الاستقرار.
هل ترى أن غياب رجال السياسة المحيطين بالرئيس كان له تأثير على إدارة المشهد؟
بالتأكيد، سبق أن كتبت وقلت إن هذا النظام السياسي نفسه يحتاج إلى وسطاء أو شفعاء بينه وبين المجتمع، ففي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، لعب أكثر من شخص هذا الدور، وفي فترة من الفترات، كان الدكتور رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب، يمثل هذا “الشفيع الصامت”، إذ كان يدافع عن الطبقات البسيطة، ويتصدى لبعض المشروعات التي كانت تميل إلى التوحش الرأسمالي، كما كان ينحاز في بعض التشريعات إلى مصالح الأغلبية، ويدافع عن الأمن القومي، وهو ما منحه قدرًا من الثقة لدى المواطنين.

كذلك لعب الدكتور أسامة الباز دورًا مشابهًا، فرغم أنه كان مستشارًا للرئيس، فإنه كان يتحرك بين الأحزاب والقوى السياسية والمثقفين، ويحضر الندوات، وينقل المشكلات، ويؤدي دور الوسيط بين السلطة والقطاعات المختلفة من المجتمع.
فالسلطة السياسية نفسها تدرك أن البرلمان الحالي يعاني من خلل في التمثيل، ولذلك يصعب اعتباره معبرًا بدقة عن المجتمع المصري، حتى وإن كان أعضاؤه قد وصلوا إلى البرلمان عبر انتخابات أُعلنت نتائجها رسميًا.
وكيف تقيم أداء البرلمان بغرفتيه؟
في تقديري، البرلمان لا يؤدي دوره الحقيقي، فالبرلمان يقوم على وظيفتين أساسيتين: الرقابة والتشريع.
وفيما يتعلق بالرقابة، شهد الفصل التشريعي السابق عشرات الجلسات دون أن يُناقش استجواب واحد للحكومة، رغم وجود عدد كبير من طلبات الإحاطة.
وحتى هذه الطلبات لا تتعامل معها الحكومة بالجدية الكافية، ولا تنظر إلى البرلمان باعتباره ممثلًا حقيقيًا لصوت الشعب، وإنما باعتباره جهة لاستيفاء الإجراءات الشكلية، ولذلك فإن دوره الرقابي لا يُمارس بالصورة المطلوبة.

أما على مستوى التشريع، فأرى أن البرلمان تحول إلى قنطرة لتمرير القوانين، وحتى التشريعات التي تُنسب إلى بعض النواب، فإن أغلبها يأتي من خارج البرلمان، ثم يتبناها النواب.
ولدينا في مصر ملفات كثيرة تحتاج إلى تدخل تشريعي حقيقي، وهناك قوانين معيبة وأخرى أصبحت عائقًا أمام تطور الدولة، لكننا لا نجد مبادرات تشريعية تعالج هذه المشكلات.
وأستحضر هنا مثالًا للمستشار نجيب الهلالي، الذي تقدم في وقت من الأوقات بفكرة إنهاء تكبيل المحكوم عليهم بالسلاسل، باعتبارها ممارسة مهينة تعود إلى عصور العبودية. نوقشت الفكرة داخل وزارة العدل، ثم تحولت إلى مشروع قانون أقره البرلمان، وأصبح واقعًا مطبقًا، فهذا نموذج لتشريع خرج من احتياجات المجتمع وحقق مصلحة عامة.
أما اليوم، فنحن نواجه أزمات كبيرة في التعليم والصحة والاقتصاد واحتياجات المواطنين المعيشية، ولا نجد تشريعات تعادل حجم هذه التحديات، وأغلب القوانين التي تصل إلى البرلمان تصب في إطار فلسفة السلطة التنفيذية، التي تضعها مؤسسة الرئاسة بالأساس، بينما يغيب الدور التشريعي الذي ينطلق من احتياجات المواطنين.
كما أن المؤسسة القضائية، ووزارة العدل، تدركان وجود قوانين تسبب مشكلات في التطبيق، وكان من الطبيعي أن يتواصل النواب مع هذه المؤسسات لصياغة تعديلات تشريعية تعالج تلك الإشكالات، لكننا لا نرى ذلك.
في النهاية، أرى أن البرلمان أصبح يؤدي دورًا إجرائيًا أكثر منه دورًا سياسيًا، وهناك من يقدم نفسه باعتباره معارضًا، لكن بعض هذه الأدوار مرسوم سلفًا، ويمكن التمييز بين المعارضة الحقيقية وغيرها بالنظر إلى التاريخ السياسي لكل شخصية.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن أضع النائب محمد عبد العليم داود في الكفة نفسها مع آخرين يقدمون أنفسهم باعتبارهم معارضة، بينما يدرك الجميع أن التشريعات ستمر في النهاية، وأن البرلمان أصبح، في كثير من الأحيان، مجرد حامل لأختام السلطة التنفيذية.
هناك من يرى أن تعديل القوانين يتطلب أولًا تعديل الدستور.. كيف تنظر إلى هذا الطرح؟
الدستور عُدل بالفعل أكثر من مرة، وأبرز هذه التعديلات كان ما يتعلق بمدد الرئاسة، وهو في رأيي كان مخالفًا لفلسفة دستور 2014، الذي كان يحظر تعديل النصوص الخاصة بفترات الحكم، ثم جاءت تعديلات عام 2019 وغيرت هذا الأمر.
واليوم يتحدث البعض عن تعديل جديد، بينما يذهب آخرون إلى المطالبة بوضع دستور جديد، لكن السؤال الأهم بالنسبة لي ليس: هل نغير الدستور؟ وإنما: هل طُبق الدستور الحالي أصلًا؟

في تقديري، دستور 2014 هو أقل الدساتير المصرية احترامًا من حيث التطبيق، رغم أن نصوصه، قبل تعديلات 2019 وحتى بعدها، تضمنت أبوابًا جيدة للغاية، فالمشكلة لم تكن في النصوص، وإنما في عدم تنفيذها.
المادة الوحيدة التي رأينا تطبيقها بحذافيرها كانت المتعلقة بمدد الرئاسة، بينما بقيت مواد كثيرة، خاصة تلك المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، دون تنفيذ حقيقي.
صلاح عيسى سبق أن نشر دستور 1954 في كتاب بعنوان «دستور في القمامة» بعدما عثر على نسخة منه ملقاة بين أوراق قديمة، وأنا أستطيع اليوم أن أكتب كتابًا بعنوان «دستور في الثلاجة» أو «دستور على الرف»، لأن كثيرًا من مواده لا تجد طريقها إلى التطبيق.
فعندما ننظر إلى الاتفاقيات والقوانين التي تصدر، لا نجد التزامًا واضحًا بالنصوص الدستورية، خاصة في المواد المتعلقة بالتعليم والصحة، رغم أن الدستور منحها أولوية واضحة، لكن الحكومة تبرر عدم الالتزام بها باعتبارات مالية.
ولا يمكن الحديث عن نهضة أو تنمية حقيقية من دون الاستثمار الجاد في التعليم، لأنه يظل الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي ناجح.
إذا كان التعليم هو أساس التنمية.. فكيف تقيم أولويات الدولة في هذا الملف؟
لا أستطيع أن أصدق أي حديث عن نهضة أو تنمية حقيقية في ظل غياب الاهتمام الجاد بالتعليم، فالتعليم ليس مجرد وسيلة لإعداد موظفين أو تخريج أعداد كبيرة من الطلاب، وإنما هو عملية لبناء الإنسان، وصقل معارفه ومهاراته، وتمكينه من الحفاظ على ما يملكه المجتمع وتنميته.
والتاريخ يقدم لنا شواهد كثيرة، فهناك أسر راكمت ثروات كبيرة، لكنها لم تهتم بتعليم أبنائها وتأهيلهم، فانتهى الأمر إلى ضياع تلك الثروات، والأمر نفسه ينطبق على الدول؛ فمن الممكن أن تبني طرقًا وكباري ومدنًا جديدة، لكن إذا لم تستثمر في الإنسان والتعليم، فلن تحقق التنمية المستدامة.
ما أراه أيضًا أن البنية الأساسية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية ينبغي أن تتحول من مجرد استجابة لفلسفة الأمن إلى رافعة لفلسفة التنمية، فقد تم تنفيذ مشروعات كبيرة، وهذا أصبح واقعًا، لكن المطلوب الآن هو توظيفها لخدمة الاقتصاد والتنمية، لا أن تظل محكومة بمنطق أمني فقط.
في النهاية، الأمن الحقيقي يتحقق بالتنمية وتحسين أوضاع المواطنين، فإذا شعر الناس بتحسن في حياتهم، أصبح المجتمع أكثر استقرارًا، أما إذا تدهورت الأوضاع المعيشية، فإن ذلك يفتح الباب أمام موجات من الغضب يصعب احتواؤها، لأن هبات الجوع تختلف عن الثورات السياسية، وتكون أكثر خطورة في كثير من الأحيان.
كيف تقيم أداء الدكتور مصطفى مدبولي وحكومته؟
في تقديري، الدكتور مصطفى مدبولي لا يصنع السياسة، رغم أن الدستور ينص على أن رئيس الوزراء يشارك في رسم السياسات العامة للدولة، وأن كل وزير يشارك في وضع السياسات الخاصة بوزارته، ويبدو لي أنه يتبنى في أغلب الأحيان، مبدأ «اسكن تسلم»، أي الحرص على البقاء بعيدًا عن الصدام، سواء خلال وجوده في المنصب أو بعد مغادرته.

ولا أشكك في رغبته في النجاح، لكنني أقيمه من زاويتين أساسيتين؛ الأولى أنه لم ينتزع الصلاحيات التي يمنحه إياها الدستور، والثانية أنه لم ينجح في أداء دور الوسيط بين السلطة والمجتمع.
وأعتقد أن ذلك يعود إلى طبيعة تكوينه؛ فهو جاء من خلفية أكاديمية وتخصصية، وليس من مسار سياسي، وبالتالي ليست لديه الخبرة اللازمة للتعامل مع الشارع أو إدارة التفاعلات السياسية.
وفي رأيي، نحن جميعًا ندفع ثمن التقليل من أهمية السياسة، والنظر إليها باعتبارها مجرد كلام، بينما لا يمكن لأي دولة أن تستمر من دون إدارة سياسية حقيقية.
خلال الفترة الماضية أثير جدل بشأن توقيعك على بيان وقيل إنه يرتبط بمبادرة للمصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين.. ما حقيقة الأمر؟
هذا الكلام غير صحيح، البيان الذي وقعت عليه كان يتعلق بالحوار العربي الأوروبي، وهو إطار قائم منذ عام 1973، وشارك فيه على مدار سنوات طويلة عدد كبير من المفكرين والباحثين العرب والأوروبيين من خلال ندوات ومؤتمرات وورش عمل.
وعندما أجد بيانًا يدافع عن القضايا العربية، ويتحدث عن إقامة الدولة الفلسطينية، واحترام وحدة الأراضي السورية، وإقامة علاقات أكثر عدالة بين الشمال والجنوب، وهي مبادئ أؤمن بها، فمن الطبيعي أن أوقع عليه، بغض النظر عن الجهة التي نشرته.
أما ربط هذا البيان بأي مبادرة للمصالحة، فلا أساس له من الصحة، وهو مجرد استنتاجات لا علاقة لها بمضمون البيان نفسه.
لكن البعض ربط أيضًا زيارتك إلى تركيا بهذه الرواية.. ماذا حدث؟
ذهبت إلى تركيا للمشاركة في بودكاست تناول التصوف والطرق الصوفية، وهو أحد المجالات التي أعمل عليها منذ سنوات، كما شاركت في فعالية حول ترجمة روايتي «شجرة العابد»، وهي رواية تاريخية ذات طابع صوفي.
بعد ذلك جرى نسج روايات وأكاذيب حول الزيارة، وعندما عدت إلى القاهرة فوجئت بحجم التأويلات التي أُثيرت بشأنها، والحقيقة أن الهدف من الزيارة كان ثقافيًا وفكريًا بحتًا، ولا علاقة له بأي مبادرات سياسية أو لقاءات من النوع الذي جرى الترويج له.

ثم إن زيارة أي دولة لا تعني بالضرورة التواصل مع جماعة بعينها، فمعظم دول العالم يوجد بها أعضاء أو مؤيدون لجماعة الإخوان المسلمين، فهل نتوقف عن زيارة هذه الدول لهذا السبب؟ هذا منطق غير مقبول.
كما أنني آخر شخص يمكن أن تكلفه السلطة بطرح أي مبادرة من هذا النوع، فالسلطة لديها من يمثلها ويتحدث باسمها إذا أرادت ذلك.
هل تتوقع أن تتجه السلطة في وقت ما إلى مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين؟
في تقديري، لا أرى أن السلطة لديها ما يدفعها إلى ذلك في الوقت الحالي، فهل تواجه ضغوطًا أو ظروفًا تضطرها إلى قبول ما كانت ترفضه عندما كانت في ظروف أكثر صعوبة؟ لا أعتقد ذلك.
وفي المقابل، ماذا قدم الطرف الآخر من مراجعات أو تحولات فكرية أو سياسية يمكن أن تشجع السلطة على فتح باب الحوار؟ لا أرى أن هناك ما يدفع في هذا الاتجاه.
وأعتقد أن الحديث المتكرر عن وجود مبادرات للمصالحة يأتي، في كثير من الأحيان، في إطار محاولة تخفيف حالة الإحباط واليأس لدى قطاع من أنصار الجماعة، فمن الطبيعي، من الناحية الإنسانية والنفسية، أن يبحث الإنسان عن أي بارقة أمل عندما يطول أمد الأزمة.
وكثيرون ممن غادروا مصر كانوا يعتقدون أن العودة ستكون خلال أشهر قليلة، لكنهم لم يقرأوا طبيعة التاريخ المصري جيدًا، ومع مرور الوقت واتساع المسافة بين التوقعات والواقع، يصبح من الطبيعي أن تظهر روايات أو تقديرات تمنح الأتباع أملًا بقرب انفراجة، حتى لو لم تكن هناك مؤشرات حقيقية على ذلك.
وفي المقابل ترى السلطة أنها حققت أهدافها الأمنية، وأن العمليات الإرهابية توقفت إلى حد كبير، كما حصلت على قدر من القبول الإقليمي والدولي، خصوصًا بعد تطورات ما بعد السابع من أكتوبر، ولذلك فهي لا ترى نفسها مضطرة للدخول في حوار مع الجماعة.
ومن منظور نفسي، يمكن فهم تداول مثل هذه الروايات باعتبارها نوعًا من التفكير بالتمني، وقد تناولت هذا المفهوم في كتابي الخيال السياسي، موضحًا أن التفكير بالتمني موجود لدى البشر جميعًا بدرجات متفاوتة، لكنه عندما يسيطر على الإنسان ينقله من التفكير الواقعي إلى عالم من الأوهام، وهو ما قد يقود في النهاية إلى الإحباط والانهيار النفسي.
كيف تقيم أداء المعارضة المصرية والحركة المدنية؟
لست راضيًا عن أداء المعارضة، لكنني في الوقت نفسه أحمّل السلطة السياسية جانبًا كبيرًا من المسؤولية، كما أحمل المعارضة نفسها جانبًا آخر، لأن الحرية تُنتزع ولا تُمنح.
المعارضة تعاني من الحصار والانقسام، كما أنها أعادت إنتاج خطاب قديم كان ينبغي تجاوزه بعد ثورة يناير، وبعض القوى قبلت بالدور المرسوم لها، وهناك قوى أخرى ترتبط بمصالح مع السلطة، وهو ما أفقد كلمة “المعارضة” كثيرًا من معناها لدى قطاع واسع من المصريين.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار وجود شخصيات وأحزاب قليلة تطرح نفسها باعتبارها بديلًا سياسيًا حقيقيًا، وليس مجرد ديكور أو عنصر تجميل للمشهد السياسي، لكن هذه القوى تعاني من ضعف الإمكانات المالية، ومحدودية قدرتها على التواصل مع المواطنين، وصعوبة بناء كوادر جديدة أو القيام بدور تثقيفي وسياسي بين الشباب.
وجزء من هذه الأزمة تتحمله المعارضة نفسها، بينما يتحمل الجزء الآخر المناخ السياسي والقيود التي تفرضها السلطة على العمل الحزبي والسياسي.
كيف تنظر إلى انتقال مقار عدد من الأحزاب إلى التجمع الخامس؟
أنا أتحدث هنا بصورة عامة، سواء عن الأحزاب الموالية أو المعارضة، والأحزاب بطبيعتها يجب أن تكون موجودة وسط الناس في قلب المدن بحيث يستطيع أي مواطن الوصول إليها بسهولة، وحتى تتمكن هي أيضًا من التواصل مع المجتمع وحمل مطالبه والدفاع عنه.
أما نقل مقار الأحزاب إلى التجمع الخامس، فهو في رأيي يعكس إدراكًا لدى بعض هذه الأحزاب للدور المحدود المرسوم لها، فإذا كان الحزب يؤدي دورًا شكليًا، فمن الطبيعي أن يهتم بالمقر الفخم والمظهر أكثر من اهتمامه بالحضور وسط المواطنين.
وقد يقول البعض إن سكان التجمع الخامس مواطنون مصريون أيضًا، وهذا صحيح، لكن الأحزاب ليست موجهة إلى شريحة اجتماعية بعينها، وإنما يفترض أن تكون قريبة من مختلف الفئات، فكيف سيذهب شاب من إمبابة أو بولاق الدكرور إلى مقر حزب في التجمع الخامس لحضور فعالية أو المشاركة في نشاط سياسي؟ المسألة ليست سهلة، سواء من حيث الوقت أو التكلفة.
والتاريخ السياسي المصري يؤكد أن الأحزاب الكبرى كانت دائمًا موجودة وسط الناس؛ بيت الأمة، وأحزاب مصطفى كامل، وحتى الحزب الوطني المنحل، كانت مقارها الرئيسية في قلب المدن، لأنها كانت تدرك أن الحزب لا ينفصل عن المجتمع.
أما عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد واجهات شكلية، فإنها تتحول إلى ما أسميه “بوتيكات سياسية”، تهتم بالديكور أكثر مما تهتم بالفعل السياسي الحقيقي، وهذا في رأيي نتيجة مباشرة للاستهانة بالسياسة، وهي الاستهانة التي انعكست أيضًا على أداء البرلمان وعلى الحياة الحزبية بشكل عام.
كيف ترى مستقبل الحركة المدنية؟ وهل تؤيد تحولها إلى حزب سياسي موحد؟
أعتقد أن الحركة المدنية تمر بأزمة حقيقية، وتحاول حاليًا إعادة ترتيب أوضاعها، لكنني لا أرى أن تحولها إلى حزب سياسي موحد هو الحل.
ففي علم الاجتماع السياسي تعلمنا أن الحركات الاجتماعية تنشأ لأداء دور معين، ثم تنتهي أو تتطور وفقًا للظروف، وفي التاريخ السياسي المصري، كانت الحالة الأبرز هي الوفد، الذي بدأ كحركة وطنية ثم تحول إلى حزب سياسي بإرادة شعبية حقيقية.
أما اليوم، فلا أرى وجود إرادة شعبية تدفع في اتجاه تحويل الحركة المدنية إلى حزب موحد أو إلى ائتلاف يقود الشارع المصري.
إضافة إلى ذلك، تضم الحركة المدنية تيارات وأيديولوجيات مختلفة، صحيح أنها تتفق في بعض القضايا العامة، مثل الحريات، والتعددية، وتداول السلطة، والدفاع عن المصلحة الوطنية، لكن عندما ننتقل إلى الملفات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية، تظهر الخلافات بوضوح.
فالقضايا المتعلقة بالعلاقة بين المالك والمستأجر، وسياسات الدعم، والتعويم، والعلاقة مع الغرب، وقضايا التبعية، والاستيراد والتصدير، ودور القطاع الخاص في التنمية، كلها ملفات تختلف بشأنها الرؤى داخل الحركة المدنية، نتيجة اختلاف المرجعيات الفكرية والأيديولوجية للأحزاب المنضوية تحتها.
لذلك، أرى أن الأفضل هو تشكيل ائتلافات حزبية تضم الأحزاب المتقاربة فكريًا، فمن الطبيعي أن يكون لأحزاب اليسار ائتلافها، وللأحزاب الليبرالية أو أحزاب اليمين ائتلاف آخر، بحيث تتشكل كتل سياسية أكثر تماسكًا وقدرة على العمل المشترك، مع استمرار التنسيق بينها في القضايا الوطنية الكبرى.
فالاختلاف في الرؤى ليس عيبًا، لكنه يحتاج إلى تنظيم داخل أطر سياسية واضحة، تقوم على التقارب الفكري واحترام التنوع باعتباره مصدرًا للإثراء، لا سببًا للصراع.





















